ذكرياتي قليلة .. أعدها على أصابعي و ينتابني الخوف من فقدها , لذلك دائماً ما أرددها بيني وبين نفسي , كثير من ذكرياتي لم أعيها , يحدثني عنها والديّ وأقربائي . كنتُ صغيراً واعتاد أبي أن يأخذني للتمشية كل يوم , مررنا على أحد المرتفعات وهناك بدأت أغني لوالدي أغنية لمحمد المسباح مطرب عمي المفضل ( ويبدو أني حفظتها منه ) ولكن مع تبديلات شنيعة للكلمات " تموت إنتا تموت " , والدي الذي يتأثر كثيراً من هذه المواقف , عاد سريعاً إلى البيت وهو حزين , شعرت والدتي بالخوف أيضاً وسألته ماذا حصل !؟ فقال لها أني كنت أقول له تموت إنتا تموت فأخبرته والدتي أنها أغنية لمحمد المسباح اسمها " تمون إنت تمون " فاطمأن بطبيعة الحال وعدنا إلى التمشيات الجميلة .
موقف آخر أيضاً مع والدي أتذكره , ذهبنا للسوبرماركت وكانت هي المرة الأولى التي يقول لي فيها والدي ( خليك بالسيارة ) , بالطبع أثرّ بي كثيراً في حينها , أن أبقى بالسيارة هذا يعني أني لن أشتري أي شيء ولن أقوم بملأ كيس من الحلويات والعصيرات , عاد أبي بسرعة وحينما ركب سألته : " بابا عمرك دخلت السجن ؟! " يبدو أني كنت أنتقم P: , وتماماً كما أخبرتكم والدي الذي يتأثر كثيراً من هذه الأشياء غضب وقام بالصراخ عليّ .. يبدو أنه كان يمرّ بيوم سيء وختمها بي P: .
أتذكر أنه إلى فترة قريبة كان والديّ يحتفلان بعيد ميلادي , كانت طاولة الطعام الكبيرة توجد بالمخزن , كان عيد ميلادي وبلا مبالغة مناسبة اجتماعية يجتمع بها جميع الجيران , والجميع يرسل قبلاً أطباق الطعام لذلك نحتاج إلى طاولة كبيرة , فأخرجناها أمي وأنا من المخزن كانت مغبرة ولونها أبيض , أذكر أننا تعبنا كثيراً لندخلها إلى الصالة حيث كانت أكبر من الباب وأوراق الزينة معلّقة على السقف والجدار , لا أدري لماذا هذا المشهد لا يفارق بالي , ولكنّي كنت أشعر حينها بسعادة لا توصف ! كانت سعادة تكفيني عمراً , لديّ صورة الآن لأحد أعياد ميلادي وأنا صغير , أعطتني إياها أختي , يظهر بها والدي وهو يحملني , وبجانبه أمي وهي تحمل أختي , كنت أتذكر صورة لجديّ بأحد أعياد ميلادي ولكن لا أدري أين هي الآن .
من الذكريات التي لا تفارقني , كنت يوماً مع خالي وعمتي رحمها الله مسافرين بالسيارة , أذكر أنها قالت لخالي أن صوتي جميل وطلبت منيّ أن أغني , كنت محرجاً كثيراً ولكن قمت بغناء " شمس بيني وبينك " , وأنا أغنيها أقبل خالي على نقطة تفتيش وفجأة لم تعد تعمل المكابح وكاد أن يصطدم بها لولا الله ثم أنه أنزلها على التراب وبدأ يمشي بها هناك إلى أن توقفت ! لو صدمنا كنا سنكون " شمس بيني وبينك " بالفعل ! الله ستر ..
من الأشياء التي تعجب جدي كثيراً ويرددها لي دائماً هو اسم كان يناديني به ابن جيراننا الشامي p: الذي كان بعمري , لم يكن يناديني منصور وإنما " مرثون " هههههههه من أين اتى بهذا الأسم لا أدري , وأصبح جدي يناديني به دائماً , حتى هذا الوقت إذا أراد أن يضحك يناديني مرثون ! يخرب بيت الإسم الفشيلة بس .
أتذكر جدتي رحمها الله , كنت أتخيلها إنسانة صارمة جداً , دائماً تلفّ رأسها بعصابة لونها أحمر , لم تكن تضحك أو تتحدث كثيراً , وفي أحد أيام الجمعة وأنا أصلي شعرت بالإختناق وكدت أسقط من التعب , فقطعت الصلاة وعدت إلى منزل جدي , رأتني جدتي رحمها الله وسألتني مابك , فأخبرتها أني أشعر بالتعب وتمددت قريباً منها , ولم أشعر إلا وهي تقف عند رأسي وتمسح عليه وعلى وخدي , وأعطتني بعض الأدوية وطلبت مني أن أستريح , تحولت كل صرامة الدنيا التي بها إلى حنان لا يوصف , يرحمها الله كانت قوية حتى في حنانها .
أخشى من اليوم الذي أفقد فيه ذكرياتي , سأعلم حينها أني بدأت بفقد حياتي , وأني سأعد أيامي على أصابعي كما كنت أعدّ ذكرياتي ..
* الصورة جدي وأنا , اعتدت أن استقبله كل يوم حين يعود من عمله ليعطيني ريالاً , وأنا هنا مشرعٌ أجنحتي أنتظر هذا الريال .