دموع الـ٢٤ رجلاً

أكتوبر 31st, 2016

"كان الصمت مطبقًا في الغرفة الصغيرة الخانقة. يصعب القول كم من الرجال الأحد عشر الجالسين حول الطاولة الطويلة عرفوا أو خمنوا أن سوزوكي سيتخذ تلك الخطوة، لم يُسمع في تاريخ اليابان أن طُلب من الإمبراطور اتخاذ قرار ما، أو القول كم كانت الصدمة حتى النخاع بهذا الإجراء غير التقليدي.

في الأيام السابقة كانت البيانات الإمبراطورية الرسمية تسمى «صوت الغرنوق»، والغرنوق يمثل رمز الإمبراطورية، ويقال إن صوت الغرنوق يظل مسموعًا في السماء حتى لو حُجب عن الرؤية. بالنسبة للمجلس الأعلى للحرب، في الساعة الثانية من صباح الجمعة، العاشر من أغسطس 1945، كان صوت الغرنوق على وشك أن يُسمع مرة أخرى في الأرض.

قال الإمبراطور في هدوء: «استمرار الحرب يمكن أن يؤدي فقط إلى إبادة الشعب الياباني ويطيل المعاناة البشرية. يبدو واضحًا أن الأمّة لم تعد قادرة على تحمل الحرب، وقدرتها على الدفاع عن شواطئها مشكوك فيها. هذا لا يُطاق بالنسبة لي»، ثم أضاف: «أن أرى جنودي المخلصين منزوعي السلاح ذاهبين من دون قول.. لكن جاء الوقت لتحمل ما لا يُطاق تحمّله».

لم يعد الإمبراطور بحاجة لأن يضع قراره في صياغة معينة، مع ذلك، استمر في الهدوء ذاته، وبصوت ثابت قال: «أعطي موافقتي إلى جانب قبول إعلان الحلفاء على أساس الشروط التي طرحها وزير الخارجية». ثم غادر الغرفة ببطء.

في الصمت، عاودت المناديل البيضاء الظهور، ربما لمسح العرق الذي يتصبب في أغسطس بتلك الغرفة الصغيرة، أو ربما لمسح الدموع التي ترقرقت في أعين الرجال الذين أصبحوا ملزمين بمنح بلدهم للعدو."

* تحقيق من ثلاثة حلقات في صحيفة الشرق الأوسط بعنوان “أطول يوم في تاريخ اليابان”.
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة

أكتوبر 31st, 2015

 

حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن زكريا الغلابي، ثنا العباس، عن بكار الضبي، ثنا عبد الواحد بن أبي عمرو الأسدي، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية، فقال له: صف لي علياً. فقال: أوتعفيني يا أمير المؤمنين. قال: لا أعفيك. قال: أما إذ لا بد، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، وكان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب، كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، يميل في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا – يتضرع إليه ثم يقول للدنيا: إليّ تغررتِ؟ إليّ تشوفتِ؟ هيهات هيهات! غرّي غيري قد بنتكِ ثلاثا، فعمركِ قصير، ومجلسكِ حقير، وخطركِ يسير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق. فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن رحمه الله، كيف وجْدُكَ عليه يا ضرار؟ قال: وجدُ من ذُبح واحدها في حجرها، لا ترفأ دمعتها ولا يسكن حزنها. ثم قام فخرج.

أن تكون قارئًا.

أغسطس 26th, 2015

كان غريبًا في مرحلة قراءاتي للروايات أن أعيد كتابة النصوص المترجمة التي تعجبني بطريقة مختلفة، لا أعرف الاسبانية أو البرتغالية على سبيل المثال لكن كنت أشعر وقتها بأن مترجم النص لم يوفَق في ترجمته، فأعيد كتابتها بأسلوبٍ شاعريّ. كنت أشعر بأن هؤلاء الروائيين الذين أحب القراءة لهم لا يستطيعون إلا أن يكونوا شاعريين. الأمر الأشد غرابة اعتقادي بأني أفهمهم أكثر من مترجمي نصوصهم، أفهم روح النص الذي حتى لا أعرف نطق كلماته بلغته الأصلية، كنت شاعريًا أنا أيضًا وجريئًا. كان هذا في مرحلة سابقة رومانسية، مرحلة القراءة الغزيرة. كنت أقرأ طويلاً طويلاً في محاولة إيجادي في مكان ما. أحاول الآن أن أتذكرني ولا أذكر إلا عمق معرفتي واتساع ثقافتي. كنت أيضًا منطويًا كما هو حال غالبية القرّاء وهشًا كما هو حال بعضهم ومبتسمًا على الدوام بما لا يشبهني في ذلك أحد. هل كنت سعيدًا؟ لا أدري.. ربما، أظن أني أقرب إلى كوني حزين لأن القرّاء يفهمون العالم جيًدا ويحزنهم فهمهم. لكن كنت محبوبًا من البشر والحيوانات، يشعرون بالألفة معي حينما أنعتق من انعزاليتي وأخرج إلى العالم، ربما أُلفتهم نابعة من كوني ودودًا بطبعي ومبتسم على الدوام. كان هذا في مرحلةٍ سابقة؛ الآن أنا أكثر اجتماعية ولازلت ابتسم ويشعر بعض المخلوقات بالألفة معي، لكن في المقابل اقرأ أقل، وحينما اقرأ كتابًا ما فإني احترم قدرات المترجم وفهمه، ولا أعيد كتابة النصوص المترجمة لتكون شاعرية.

أعوذ بالله من قهر شرّ الناس! الله يلعن الصهاينة.

أغسطس 9th, 2015

ولم يكن من السهل العيش في منزل محاط بالركام، خصوصا أنني وشقيقي فاقدان للبصر. ومع ذلك، وجدتني عاجزًا عن التخلص من الخرسانة المحطمة التي اختلطت بشظايا من حياتي بأكملها. لقد كان كل زرع تم اقتلاعه وكل قطعة أثاث تحطمت جزءا من قصتنا. وبينما كان من الصعب العيش وسط الركام، كان من الصعب علينا أيضًا التخلص منه بإلقائه في سلة المهملات.

 

أرجو قراءة كامل المقال هنا

يوليو 24th, 2015
عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو – تملأ – ما بينَ السماواتِ والأرض، والصلاة نُور، والصدقةُ بُرهان، والصَبرُ ضِياء، والقرآنُ حجةٌ لكَ أو عليك، كلُ الناسِ يَغدو فبائعٌ نفسهُ فمعِتقُها أو مُوبقها).
رواه مسلم

يونيو 27th, 2015

“زي الرسول بيعيش فقير”.

مايو 20th, 2015

ليس من سيرة أحدٍ على هذه الأرض بعد الأنبياء أحبها كما أحب سيرة الإمام عليّ بن أبي طالب، لم تدمع عيناي لسيرة أحدٍ كما تدمع حينما أتأمل سيرته، وإني أؤمن أن محبته من كمال الإيمان وبغضه من المهلكات، وإني لأهيم به حبًا، وإني على هذا حتى أبعث.

مارس 28th, 2015

ياشيخ باح الصبر من طول المقام .. ياحامي الونات يا ريف الغريب
اضرب على الكايد ولا تسمع كلام .. العز بالقلطات والراي الصليب

محمد العوني

عن الثلاثين

فبراير 14th, 2015

أرى نفسي، أُغمض عيناي وأرى نفسي بعد عشر سنين وعشرين سنة وثلاثين سنة، لديّ هذا الإشعاع الذي يجعل حتى من يقترب مني بإستطاعته أن يغمض عيناه ويراني بعد عشر سنين وعشرين سنة وثلاثين سنة، وحينما يمرّ بي القنوط واليأس أتذكر كيف سأكون، فأتقوّى، لكأنه قد قيّض لي أن عشت سلفاً ثلاثين أو أربعين سنة من قبل، فهذه الطمأنينة والثقة التي تغمرني لا تفسير لها سوى أني لمّا أزل أرى نفسي.

بالأمس دلفت الثلاثين، ولا أجد أفضل من هذه المناسبة لأقول شكراً لكل من كان حولي ومنحني الحب والطمأنينة والطيبة، أنا ممتن لكل من قابلتهم في حياتي لكونهم صنعوا الشخص الذي أنا هو عليه الآن، السعيد الذي لا تفارقه إبتسامته، الممتن دائماً أن ما بين الله وبيني عامر، والممتن لكل الناس الذي غمروني بلطفهم وتواضعهم ورفعوني لعنان السماء، الذين جعلوا حياتي خالية من الحسد والكراهية والبغض. انتهت ثلاثة عقود من عمري وهذا عقدٌ جديد يأخذ بيدي إليه وأنا مرتاح. أحبكم وأتمنى لجميع الأحبة أعواماً سعيدة.

وداعاً عبدالله ..

يناير 23rd, 2015

إن العين لتدمع وإن القلب ليجزع، وإنا على فراقك يا أبانا وسيدنا ومليكنا وحبيبنا عبدالله لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون. رحم الله ملك قلوبنا عبدالله بن عبدالعزيز وجزاه  عن شعبه خير الجزاء.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

يناير 18th, 2015

“No man can wear one face to himself and another to the multitude without finally getting bewildered as to which may be true”

لا يعيش رجل بوجهٍ واحد يظهر به أمام نفسه ووجه آخر يظهر به أمام الناس دون أن يشعر في النهاية بالإرتباك فيما يتسائل أيهما الحقيقيّ.

من مسلسل The Soprano’s

يا لجمال هذه اللغة :)

ديسمبر 17th, 2014

“مشكلة زمننا هذا، أن المستقبل لم يعد كما كان”.
بول فاليري

في بروق الذاكرة صورة سوق الصاغة في بيروت. كان فسحة صغيرة تلمع فيها أضواء كثيرة معكوسة على صفوف من الأساور في الواجهات، كأنها واجهة واحدة. وكانت أمي تأخذني معها إلى هناك لكي ترهن سواراً آخر، أو أخيراً. ولم تستطع أن تفكّ الرهن مرة. لكنها لم تكن تريد أن تفزعنا بكلمة بيع.
بقي لمَعان الأساور المضيئة في ذاكرتي. وصورة الصيّاغين منكبّين في المحترف الصغير على مصانعة الذهب، يساعدهم منظار مكبِّر فوق النظارتين.
مثل سوق الصاغة الذي أُغلق على ذاكرة بيروت، غابوا في عام واحد: أرباب الصياغة وصنّاع الأحرف. صاغة في الشعر، صاغة في النثر، صاغة في الفصيح، في العامية، في القوافي وفي النثر الذهبي. في عام واحد: أنسي الحاج. جوزف حرب. جورج جرداق وسعيد عقل. قافلة أفرح غناؤها اللغة، وأحزن حدّاؤها دروب الغياب.
كان جول رينار ينصح الكتّاب دوماً: “ضعْ قمراً صغيراً في ما تكتب”. وضعوا بدوراً في ما كتبوا. حملوا أضواء القمر معهم من الريف، حيث يكون أكثر صفاء ونعمة “يتأنّى ويخطر ويفرش الضوء” ويخصّب المخيّلات والمشاعر ويوسّع دائرة الحنان وزوايا الحنين.
هذا، قاسم. أي الريف. قرية أو بلدة أو مدينة مثل زحلة، كان سعيد عقل يحلم بأن منها، كما بدأ البارون هوسمان عضو بلدية في بوردو (النبيذ مجرد مصادفة)، ينتقل بعدها إلى صناعة جمال العاصمة. كان سعيد عقل مكلَّفاً، في جملة ما هو مكلَّف من وكالات مطلقة، حراسة الجمال أنّى وُجد.
القاسم الثاني كان فيروز. هناك الشعر، شعراً أو عاميا، وهناك الشعر إذا غنّته فيروز. وقد غنّت منحوتات سعيد عقل، وغنّت “باللغا اللبنانيي”، كما غنّت لجوزف حرب بالفصحى والعامية، وغناها أنسي الحاج بأجمل ما عَقَدَ وأفردَ وصاغَ من نثر وابتهال.
القاسم الثالث، المرحلة، لبنان في عقوده الذهبية يطوف في رومانسيات الشعر والحب والغناء. بلد ذهبي صغير يطلّ منه مرة عاصي – مرة منصور – مرة سعيد عقل، ودائماً تُشرق “حارسة المفاتيح”. تضع قمراً في كل كلمة وبدراً في كل لحن، وأرضاً في كل غياب.
لم يعد للسنين أحداث مفرحة. روزنامة سوداء. ختم هذا القرن نفسه بآخر أغصان المسك. مائة عام من الصيّاغين ومعرض دائم للآلئ. بيروت المتوسط المرصع، تفيض في الداخل ببحر من الحبر. كان هذا قرن الأدب وجبابرة المغنى. انتهى. fin de siècle. انتهى. كلما حاولتَ أن تعدِّد لكي تُحصي، شعرتَ بكم ظَلمت ممن نَسيت. من 1914 إلى 2014 تحتاج إلى مجلّد ومتحف. هذه المدينة التي نقلت الحركة الأدبية إلى مصر ونيويورك في بدايات القرن، ما لبثت أن استعادت حقوق النشوء: حركة الرمز انطلقت من هنا. حركة الحداثة من هنا. الرسم والنحت. وبعدما أقامت إمارة الشعر في مصر على أغصان شوقي ومقام الكرد استعادها الأخطل الصغير حزيناً: اليومَ أصبحتُ لا شمسي ولا قمري.
استعادت جبران رفات تمشي في جنازته الكنيسة التي تمرّد عليها. واستعادت ميخائيل نعيمه شاباً يكتب بدائعه من شخروب بسكنتا في سفح صنين. واستعادت أمين الريحاني إلى حنين الموت في الفريكة على درّاجة. طاف الصحارى والبراري والبحار، مخاطباً الملوك والشيوخ والرحّالين، وعاد إلى الفريكة ينهي مغامراته على دراجة بلهاء. وإليها عاد في زيارة قليلة شاعر الطلسم إيليا أبي ماضي معاتباً “وطن النجوم” حدِّق، أتذكر من أنا؟ حدِّق.
لم يعرفه وطن النجوم. كان يستقبل مي زيادة المُستعادة من مصر، أنشودة من العبقرية والجمال والحزن. أرسل القرن إلى مصر ألمع سيدتَين في الآداب والفنون: مي زيادة، شجاعة الأزمان، التي يؤمّ صالونها كبار العمالقة من أدباء المحروسة، وفاطمة اليوسف، الملقّبة روز، صبيّة التبنّي، التي سوف تُصبح سارة برنار الشرق وملكة الصحافة المصرية. وإذا كنت تريد أن تعرف ماذا أعني بسارة برنار، أرجو أن تقرأ ما كتب جول رينار عن برنار الأولى. وأرجو أن تقرأ، في كل حال، ليس لأن سارتر قال إن مع برنار بدأ الأدب الفرنسي، بل لأنك سوف تقول أنت ذلك.
آه، اللبنانيون. أعطهم ورقة، وقلَماً، ولغة. وسوف ترى. دعْك مما فعلوا في مصر ونيويورك. فماذا عن فرنسا في هذا القرن؟ ماذا عن شكري غانم في “الكوميدي فرانسيز”؟ ماذا عن مسرح جورج شحادة؟ ماذا عن شعر أندريه شديد وناديا تويني؟ وماذا عن، وماذا عن فتى الأكاديمية، أمين معلوف؟ قرن من الصيّاغين. بالعربية والفرنسية والإنكليزية والبرتغالية في بلاد البرازيل. أعطهم قلماً وورقة وخُذ فؤاد سليمان، وسعيد تقي الدين، والياس أبو شبكة، وعمر فاخوري، وعبدالله العلايلي، وحسين مروة، ورشدي المعلوف. ورقة أخرى وخُذ شفيق المعلوف وخُذ خليل رامز سركيس.
قرن الصيّاغين. صلاح لبكي، وشفيق حيدر، وشارل قرم، ويوسف غصوب وأمين نخلة. وكم نسينا. هذا الذي مضى ليس قرناً. هذا ديوان أو مكتبة وطنية أو “بانتيون”. مجمع الخالدين. أكاديمية فيها جرجي زيدان، حارس التراث الإسلامي. ووليّ الدين يكن، الوحيد الذي قيل إن مي زيادة أحبته، فيما هامَ بها العمالقة من طه حسين وعباس محمود العقاد. ومن نيويورك عشِق جبران عذوبتها حتى قيل إنه كان حبّها الوحيد.
ورقة وقلم. البعض أخذهما وقسّمهما مثل خبز الجبل: كامل مروة أنشأ “الحياة” في غرفة من غرف “النهار” التي كانت كلها ثلاث غرف. سعيد فريحة بدأ “الصياد” في غرفة على المعرض. سهيل إدريس أدار من المعرض مجلة “الآداب”، والحركة الأدبية في العالم العربي، وحركة الترجمة، وأطلق بين قرّاء العربية أعمال سارتر وكامو.
المسرح. الرواية. الشعر. الصحافة. النشر. الرسم. النحت. سوق الصيّاغين، كان هذا البلد يُشرق ويتألّق. وكانت بيروت مثل وادٍ تلتقي فيه الثلوج الذائبة من الجبال. وادٍ خصيب تملؤه أصوات التغاريد وتتجاور فيه الغصون. لم نكن نعرف مدى ذهبه وألماسه ونحن نمرّ به صفحة صفحة، فلما تجمّع بين دفّتيّ ذاته، أدركنا أنه كان قصراً من قصور الأدب، ومتحفاً من متاحف الفنون. قرن من ضياء.
مع منصور وعاصي وفيروز انتصف القرن وكأن بيروت هي سالزبورغ: “صوت الموسيقى” على التلال الخضراء. أعطهم ورقة وقلماً وكمنجة. كان منصور شرطي بلدية في النهار وعازف كمان في الليل. ويروي الشرطي أنه كان مرة في مأمورية قرب “الريفولي” عندما رأى الناس تتجمّع حول مَشيق وسيم فَلَش شعره للعلا وهي تقول “إنه سعيد عقل”. فاقترب وتفرّج. وبعد سنين قليلة كان هو وعاصي وسعيد عقل ينحتون معاً لبنان المفترض. وفي المساء كانوا يحملونه إلى فيروز كي تُغنّيه وتُعطيه ما فات الشعر والموسيقى أن يعطيا، وأن يحفرا، وأن يُهدهدا شِغاف القلوب العاشقة.
جاءها الشعراء وغنّوها. لم تحتضن فقط مواليدها، بل كما احتضنت باريس المنفيين والحالمين، ضمّت إلى صدرها كوكبة الشعر ومجاني الأدب: نزار قباني، بدر شاكر السياب، محمود درويش، نذير العظمة، أدونيس، الياس مسوح، محمد الماغوط، خالدة سعيد، علي أمين، خالد قطمة وعلي الجندي. مناهل – مناهل. فيما كانت المرأة العربية تبحث عن حقوقها كانت ليلى بعلبكي تكتب “أنا أحيا” بمعنى أنا امرأة. وكانت إميلي نصرالله ترود الرواية في “طيور أيلول” وملحمة الهجرة والحياة بين وطن مقيم وجميع أوطان الأرض المهاجرة. كان قرناً من القِطاف. كروم الشعر وحصاد الجمال وبساطة النفوس. مشاكيك صيّاغين وجوهرجية. وإذا لم ترَ سوق الصاغة وأنت ملء طفولتك فلن تعرف ما أعني. أنا أعني تلك المدينة التي تركت خلفها مجاعة 1914 لكي تمضي في صناعة الأضواء، وتدوين الموسيقى. جبابرتها الثلاثة، منصور وعاصي وفيلمون وهبه كانوا يدندنون بلا نوتات ومفاتيح.
جورج أبيض بدأ المسرح في مصر، وشوشو أزهر المسرح في سينما مهجورة اسمها شهرزاد. كيفك يا شخص… و”الشخص” كان يتقبّل المزاح إذا ما جاء عن المسرح. ضحك فؤاد شهاب طويلاً وهو يرى أنطوان كرباج يشخِّصه، برَوْعة التبدّل في الأداء، مِن غاضب إلى مستضعَف في عزلة موصدة. كأن تقول fin de siècle، بدأ في المجاعة والشهداء. ولا يزال يرفع راية الحرية. “الشمولية”، يقول التعريف، “هي رفض لكل أشكال الحرية”. إليكم ما هو لبنان من دونها.

سمير عطاالله – النهار

الحمدلله.

نوفمبر 8th, 2014

{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء}

 

إبراهيم آيات 42 – 43