أرشيف تصنيف 'ألكسي فاسيليف'

14 يناير 2014

"كتب روبرت ليسي يقول إن كسينجر بدا منفعلاً عندما حوّمت طائرته فوق البادية قبل أن تحط في الرياض. حاول أن يطلق نكتة، فجاءت "بائخة": "لن يخرج من الطائرة إلا السكسونيون البيض. هل بينكم سكسونيون؟" سأل كسينجر الصحافيين فارتفعت الأيدي. فقال لهم: "طيب، انزلوا من الطائرة في البداية، أما أنتم الثلاثة فآخر من ينزل". وأشار بيده إلى ثلاثة من الصحافيين اليهود. كان كسينجر يمزح، أو حاول أن يمزح.
حصل ذلك في 8 نوفمبر 1973م، بعد حوالي أسبوعين ونصف الأسبوع من حظر البترول السعودي.
وقبل يوم واحد كان كسينجر قد تحدث إلى أنور السادات في القاهرة، وسأله ماذا نتوقع "من أقوى عربي خلال الألف عام الأخيرة"؟
فأجاب السادات: يا دكتور كسينجر، الأرجح أنه سيلقي عليك محاضرة عن الشيوعية واليهود.
ولذا بدأ وزير الخارجية الأميركي من مبلغ 2.2 مليار دولار الذي خصصه الأميركيون للمساعدات الحربية لإسرائيل كي يبرر فعلتهم وقال:
كان هدفنا خلال الحرب، يا صاحب الجلالة، هو منع انتشار النفوذ الشيوعي في المنظقة. وعندما أرسل الاتحاد السوفياتي كميات كبيرة من الأسلحة إلى المنطقة (يقصد مصر وسورية) قرّرنا أن نرد على ذلك.
استمع إليه فيصل بصمت. لم يبتسم، بل كانت أصابعه الطويلة تدعك العباءة، كعادته حينما ينفعل. لم تقنعه تبريرات هذا الأميركي، ثم قال بصوته الرفيع:
نحن نعرف أن الولايات المتحدة، خلال تاريخها، وقفت دائماً ضد المعتدي… وعندما طمعت ألمانيا النازية في أراضي دول مجاورة… اعترضت الولايات المتحددة من دون أي تردد. وفي سنة 1956م لم تتردد الولايات المتحدة في معارضة التحالف بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عندما اشتركوا في الاعتداء على مصر. لهذا في سنة 1967م، عندنا اعتدت إسرائيل على مصر وسورية والأدرن، كان يجب على الولايات المتحدة… أن تضغط، في الحال، على إسرائيل لتعود إلى حدود 4 يونيو. لو فعلت ذلك لما حدثت التطورات الأخيرة.
وواصل الملك:
قبل تأسيس إسرائيل لم يكن هناك ما يعرقل العلاقات بين العرب واليهود، ولم يكن هناك سبب يدعو العرب إلى مقاومة اليهود. وكان هناك يهود كثيرون يعيشون في دول عربية، وكنا نسميهم "اليهود العرب". وقبل مئات السنين، وعندما عُذّب اليهود في إسبانيا (على أيدي محاكم التفتيش الكاثوليكية) قام المسلمون بحمايتهم.
وأضاف: "ستالين هو الذي قال في يالطا بلزوم قيام الدولة العبرية".
وبعد ذلك عرض الملك فيصل آراءه في شأن الصهيونية والشيوعية:
لسوء الحظ تعمل إسرائيل لتحقيق الأهداف الشيوعية… ويوجد وسط الذين يعتنقون الدين اليهودي من يؤيد الصهيونية… والمشكلة أن حرب سنة 1967م أعطت الشيوعيين فرصة لزيادة نفوذهم في الشرق الأوسط. لا يتوقف الشيوعيون عن خلق مشاكل لنا لأنهم يعرفون أننا أكبر حاجز أمام نشر مخططاتهم في المنظقة.
فأجاب كسينجر من دون ارتباك:
يا صاحب الجلالة، تواجه الولايات المتحدة مشكلة الانتقال من الوضع الحاضر، وهو وضع لا يقدر العرب على تحمله، إلى وضع سلام حقيقي.
فرد فيصل بإيجاز: "لتبدأو بأن تضغطوا على إسرائيل لتنسحب…" (في مثل هذا الموقف اقترح والد الملك فيصل الملك عبدالعزيز على روزفلت أن يؤسس موطناً لليهود في ألمانيا).
وسأل كيسينجر:"هل تستطيعون يا صاحب الجلالة أن تتخذوا خطوات تقيّد استخدام حظر البترول؟".
فأجاب الملك: "على الولايات المتحدة أولاً أن تأمر إسرائيل بالإنسحاب".
"ألا يفكر صاحب الجلالة بالتأثير النفسي لحظر البترول على موقف الأمريكيين من المسألة العربية؟"
فأجاب الملك فيصل: "يجب أن تعاد للفلسطينيين حقوقهم المشروعة".
كانت تلك أفكاراً واضحة عرضها الملك بكل بساطة، رداً على كل محاولات كيسينجر لدفع دبلوماسيته إلى الأمام.
إدوارد شيهان، أحد الصحافيين الذين مازحهم كيسينجر في الطائرة، أجرى ذلك اليوم مقابلة حصرية مع الملك فيصل، وسأله عن عائدية الأماكن المقدسة في القدس الشريف، فأجابه الملك: المسلمون والمسيحيون فقط لهم أماكن مقدسة وحقوق في القدس، ولا وجود لمقدسات عند اليهود هناك. وسأل الصحافي: وحائط المبكى؟ فكرر الملك فيصل: ليس لليهود أي حقوق في القدس. واستشهد بتقرير لعصبة الأمم جاء فيه أن حائط البراق (المبكى) جزء من المسجد الأقصى. وأضاف الملك: يمكنهم بناء حائط آخر يبكون أمامه".

الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014
"كان الملك فيصل حاد الذهن حتى خُيّل إليّ أحياناً أن يقرأ أفكار الآخرين. صحيح أنه ما كان يظهر عليه أن اكتشف كذب كيسينجر علينا. فالملك يجيد أداء الدور حتى النهاية".
الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014
"كان فيصل يعتقد صادقاً أن الصهيونية والشيوعية وجهان لمؤامرة دولية واحدة. ماركس كان يهودياً، وكان تروتسكي يهودياً أيضاً، وكثير من زعماء الثورة البلشفية في روسيا يهود. وعندما عرضوا على فيصل النسخة القيصرية المزورة من "بروتوكلات حكماء صهيون" اعتبرها دليلاً على صحة ما قاله والده من أن اليهود مرتدون عن الدين.
"فالبروتوكلات" تصور اليهود والماسونيين بأنهم دبروا مؤامرة تقويض المسيحية والعالم المتحضر من خلال دفعهم للحركة الليبرالية والاشتراكية.
يقول محمد عنان:
عندما زار وفد من الكتائب اللبناني، الحزب الماروني، برئاسة الشيخ بيار جميّل وعدد من أقطاب الحزب المملكة العربية السعودية، دخلنا على الملك فيصل فأخذ يقول للشيخ بيار جميّل: ابتعدوا عن شيئين لا ثالث لهما، الشيوعية والصهيونية. وأخذ يركز على هذه العبارة ليؤكد لبيار جميّل وجماعته أن لبنان إذا سمح لهذين الخطين ستكون نهاية لبنان، وخصوصاً الصهيونية. وعندما وقف الشيخ بيار جميّل تطلع فيه الملك فيصل وقال له يا شيخ بيار احذر الصهيونية، احذر ثلاث مرات.
وقال فيصل في حديثه إلى مجلة "نيوز ويك" عام 1970م: "إن الشيوعية هي من صنع الصهيونية".
ورداً على سؤال لمراسل المجلة وجّهه إلى جلالته يقول: هل يقلقكم ازدياد النفوذ الشيوعي في الشرق الأوسط؟
قال جلالته:
الصهيونية والشيوعية تعملان بتعاون وثيق لإحباط أي تسوية لإحلال السلام. إن ذلك كله من مكيدة كبرى، من مؤامرة ضخمة. إن الشيوعية هي من صنع الصهيونية، كما قلت، وهدفها هو تحقيق أهداف الصهيونية، وحين تتظاهر الحركتان الشيوعية والصهيونية بأن إحداهما تعمل ضد الأخرى في الشرق الأوسط، فإن ذلك من قبيل ذر الرماد في العيون ليس إلا".

الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014
"كان فيصل ضد الإلحاد والشيوعية. كنا في أفغانستان نزور الملك ظاهر شاه، وكان البرتوكول الأفغاني في تلك الأيام يقتضي أن رئيس الدول الضيف، قبل أن يقيم رئيس الدولة المضيف العشاء، يُقّدم له السلك الدبلوماسي. ووقف الملك فيصل لاستقبالهم، فجاؤوا بسفير الإتحاد السوفياتي ولا أتذكر اسمه، لكنه يتكلم عربي كما نتكلم أنا وأنت عربي. فقال له: يا صاحب الجلالة، أول من اعترف بنظام أبيك هو الاتحاد السوفياتي، فلماذا لا تفتح سفارة وتعترف بالإتحاد السوفياتي؟ فرّد عليه الملك فيصل وأنا واقف هناك: يا جناب السفير، اذهب لموسكو وقل لهم فليعترفوا بالله وأنا أفتح سفارة عندها غداً. ثم أن الملك فيصل كان ضد الصهيونية، وكانت نظريته هي العلاقة ما بين الشيوعية والصهيونية. هذه هي المسألة. وكان لا يتورع عن أن يحكي هذه القصة لأول أجنبي يجلس معه. حتى مع كسينجر حصل ذلك".
الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014
"يجب علينا أن نعود إلى أنفسنا وأن نحاسب أنفسنا، لماذا تصيبنا هذه النكبات ولماذا نتعرض لهذا العدوان من أعداء الإسلام وأعداء البشرية وأعداء الإنسانية؟!
– من كلمة وجهها الملك فيصل إلى حجاج بيت الله الحرام عام 1970م."
الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014
"يقول أحمد بن عبدالوهاب:
القصور الفاخرة كلها لم تبنَ في عهد الملك فيصل يا سيدي العزيز. لم نبنِ قصوراً فخمة. الرجل ما كان يؤمن بهذا. كان اشتراكياً… هاهاها".
الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014
"رباطة الجأش وضبط النفس إلى جانب الإحترام في معاملة الآخرين والمرؤوسين وحتى الخدم من خصال فيصل التي تمثّل في حد ذاتها ظاهرة مميزة. فكان من هذه الناحية يختلف حتى عن والده شديد الانفعال رغم قدرته على ضبط أعصابه في اللحظة المناسبة. أُورد بهذا الخصوص بعضاً مما أكده معاصروه.
يقول هشام ناظر :"عمرك لا تسمع كلمة بذيئة من فم الملك فيصل. عمرك لا تسمع أي نوع من الشدة حتى لو غضب".
يقول نهاد الغادري:
لم يسمع أحد أولاده أو زوجته أو إنسان آخر صوته مرتفعاً أبداً. ولم يسمع منه أحد في حياته كلمة نابية. ولم يشتم حتى في عصبيته. وإذا غضب لا يظهر منه الغضب. قد يبدو عليه الألم، لكنه يكبت مشاعره. قدرة عجيبة. لا تستطيع أن تقرأ في وجهه شيئاً. وجه ثابت. مشاعره الداخلية لا يعبر عنها لا بالحركة ولا بالكلمة. الذين يعرفونه من قريب يعلمون أن الطريقة التي يتعامل فيها مع ثيابه تدل على أنه متنرفز إذا كان متنرفزاً. وإذا بدأ ينتف بهدوء معنى ذلك أن الحديث الذي يسمعه، يريد أن يعطي إشارة بأنه غير مهتم به أو أنه منزعج.
يقول أحمد بن عبدالوهاب:
إذا غضب يغضب من دون أن ينظر إلى الشخص الذي أمامه، ولايقول كلمة نابية، يا سعيد أو يا بعيد أنت كذا، أبداً. وهو لا يعرف كلمات مثل يا كلب، يا حمار، أبداً. لا، أبداً. أنا شخصياً والله ما سمعت منه أي كلمة. كان متمكناً من نفسه، ولكن إذا زعل يزعل. ومن ميزات الأمير والملك أنه كان من الرجال القليلين الذين يقيّمون الخطأ. وتقييم الخطأ يعني أنه ليس كل خطأ يثير زعله. إذا غلطت معه ماكان يزعل لمجرد أنك غلطت معه، لكنه يقيّم غلطتك وقد يجد لك عذراً في غلطتك. ولكن إذا طفح الكيل وغضب يغضب حقاً".

الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014

"يقول محمد عنان:
كان الملك فيصل يحرص أن يكون حوله مثقفون من مستوى رفيع. ليس ثقافة عادية. كان يأتي بشخص من فرنسا متخصص بالبوليتكنيك ويأتي بآخر من أميركا عنده مستوى. أحمد بن عبدالوهاب وصل إلى مرحلة يسمونه كإبن للملك فيصل. والدكتور رشاد فرعون كان إلى جانب الملك فيصل ولم يتركه لحظة واحدة. كمال أدهم مثلاً كان رئيس الاتصالات الخارجية. وأنا أعتبره ظاهرة. تمكن من ضبط الاتصالات العربية مع فيصل بطريقة لا أذكى منها أبداً، الاتصال بين الملك والرؤساء وليس جهاز استخبارات أو مخابرات. كان هو كل شيء. فمثلاً، في المهمات السرية الخاصة كان يذهب هو شخصياً ولا يكلف سفيراً أو غيره. الشيخ كمال أدهم كان يثق به فيصل ثقة عمياء، وكان يتكلم العربية والإنجليزية والفرنسية.
يقول أحمد بن عبدالوهاب عن أقرب مستشاري الملك فيصل:
رشاد فرعون كان أقرب شخص إليه. وعلاقته مع رشاد فرعون أن الأخير كان طبيب الملك عبدالعزيز، وكان فيصل عندما يذهب إلى عبدالعزيز يجد رشاد دائماً قريباً منه. وكان يتمتع بشخصية محبوبة وجاذبية خاصة، ولذلك عندما مات الملك عبدالعزيز وترك رشاد المملكة إلى باريس جاء به وعيّنه وزيراً للصحة. وكان قريباً منه وجليسه عائلياً، وليس عائلياً فقط. وكان رشاد فرعون أجرأ موظفي الملك فيصل عليه، بأدب طبعاً. وكان الملك فيصل رحمه الله يرتاح إلى رأيه. لم يكن فقط يستمع إليه، بل كان يرتاح إلى رأيه. وهو على الرغم من أنه طبيب جراح، إلا أنه كان يتمتع بأفق سياسي واسع. وهو سوري الأصل. وقد أخلص لفيصل وأدرك فيصل إخلاصه له، وهذه نقطة مهمة، لأن الإخلاص المتبادل بين شخصين في غاية الأهمية.
س: وكمال أدهم؟
ج: كمال أدهم كان ابناً له كواحد من أبنائه. ربّاه مثلما ربّاني، وكان كمال أخا زوجته. أنا وكمال أدهم كنا أول الأولاد الذين يلعبون في بيت الأمير فيصل.
أنا عشت معه يمكن أكثر من أولاده، لأنني كنت أعيش معه من الصبح، من السرير إلى أن يدخل السرير مرة ثانية… وأقرب شخص سياسي للملك فيصل في فترة مُلكه هو رشاد فرعون. ولم يكن فيصل يفرّق بين الناس فاكهة كذا وفاكهة كذا. كان الناس عنده سواء. ومن يقل لك إني كنت رقم واحد عند فيصل بلّغه سلامي وقل له إن أحمد عبدالوهاب يقول لا. أنا شاهد على العصر. وأنا أكرر ذلك. كان الملك فيصل عنده الناس سواسية".

الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014

"عندما عاد فيصل من القاهرة إلى جدة أوائل خريف 1964م علم أن أنصاره أجروا محادثات متوترة مع الملك لإقناعه بالتنازل عن العرش. فقال في معرض تقييمه لتصرفات أخيه: أُعالج جرحاً فينفتق جرح آخر. وفي 24 أكتوبر غادر فيصل جدة متوجهاً إلى الرياض عن طريق البر من دون استعجال، تاركاً الأحداث تتطور من دون أن يتدخل فيها. عاد الأمراء إلى العاصمة بعد لقائهم معه في جدة لينهوا المهمة ويضعوا فيصل أمام الأمر الواقع.
عندما كان الأمراء والعلماء مجتمعين للتشاور في الرياض، سلك فيصل الطريق من جدة إلى العاصمة وطوله 1300 كيلومتر على مهل ومن دون تسرع. فالتقى وجهاء القبائل وأوضح لهم الموقف، مثلما فعل والده عبدالعزيز في حينه، وحدثهم عن خططه ومشاريعه وعن خلافه مع الملك سعود، ووزع عليهم الهدايا. وكان واضحاً له أن القبائل تقف إلى جانبه.
كانت الرياض هادئة، لأن الجميع مهيأون نفسياً للتغييرات.
عبدالله بن عبدالرحمن، عم الأمير فيصل وصديقه منذ الطفولة، بحث قضية خلع الملك مع أبرز الشيوخ والعلماء، وفهم أنهم يشاطرونه فكرته، فيما كان هو يؤدي الدور الرئيس في المفاوضات مع سعود أيضاً.
وفي 29 أكتوبر 1964م اجتمع نحو مئة من كبار الأمراء والعلماء في فندق "الصحراء" أو "صحارى بالاس" قرب مطار الرياض. في الزمن الحاضر، هذا الفندق محاط بالفيلات والمباني العالية الكثيرة. أما في تلك الفترة فكان عبارة عن بناية مربعة بلون المغرة تنتصب وحيدة في الصحراء.
وقبل ذلك بقليل التقى كبار الأمراء في منزل خالد بن عبدالعزيز، الأخ غير الشقيق للأمير فيصل وصديقه الحميم، وقرروا إرغام سعود على التخلي عن العرش. وكان كبار العلماء أيضاً مستعدين لتنصيب فيصل ملكاً على البلاد.
وقد أعدّ العلماء الفتوى اللازمة، فيما توجه وفد الأمراء وأهل الحل والعقد لمقابلة الأمير فيصل.
كتب دوغوري في وصف هذا اللقاء يقول:
عرف فيصل بنبأ الفتوى مساء 29 أكتوبر أثناء التقائه بشيوخ القبائل. وبعد أن قرأ نص الفتوى أذّن المؤذن داعياً إلى صلاة العصر، فمضى فيصل ليصلي من دون أن ينبس ببنت شفة. وعاد بعد الصلاة صامتاً أيضاً، إلى أن طالبه رسل الأمراء والعلماء بالجواب. فقال: انتظروا الجواب حتى صلاة المغرب. وعندما حان الموعد طالبوه بالجواب من جديد. فقال: من حقي أن أسألكم كيف تنوون تنفيذ قراركم. فأجابوه: نعلن أنك أنت الملك. فسأل فيصل في شبه ابتسامة: وماذا بشأن الملك الحالي؟ فلم يجيبوا عن السؤال. فواصل فيصل كلامه: نحن في بيت عبدالعزيز لا نسقط ملكاً إلا بعد فشل كل محاولات الإقناع، فهل استنفدتم كل إمكانيات الإقناع؟ فهتف أعضاء الوفد: والله أنت ملك حقيقي.
عاد الوفد إلى الرياض ومضى إلى قصر "الناصرية" لإقناع الملك بالتنازل عن العرش. وقالوا له إن بوسعه أن يختار أي طريقة يرغب فيها للتخلي عن الحكم. حدثوه عن موقف فيصل الرافض للخلع، وحذروه قبل أن ينصرفوا بأنهم يأملون تسلّم الجواب بحلول صباح الثاني من نوفمبر. فإذا امتنع عن التنازل فإن الأمراء والعلماء سينفذون قرارهم بحقه.
آنذاك وصل فيصل إلى الخرج التي تبعد 70 كيلومتر عن الرياض، واستقبل هنا وفداً حدثه عما جرى أثناء اللقاء مع الملك، فطلب منهم أن يواصلوا محاولات اقناع أخيه وتحذيره، لأنه هو، فيصل، لا يريد القيام بأي خطوة تسيء إلى سمعة آل سعود والعرش السعودي، اللهم إذا تعرضا فعلاً لخطر عظيم. وأصرّ أعضاء الوفد على أن مهمتهم انتهت، وبات على الأمراء وفيصل نفسه أن ينفذوا الفتوى.
في 31 أكتوبر التقى كبار الأمراء الملك سعود من جديد، ولكن من دون جدوى. وفي اليوم ذاته وصل فيصل إلى الرياض.
استدعى فيصل أخاه خالد، نائب رئيس الوزراء، إلى القصر وبحث معه ومع باقي الأمراء خطة العمل اللاحق. ظل الموقف على حاله في 1 نوفمبر.
كان الجميع يدركون ضرورة وضع حد لازدواجية السلطة بنحو حازم. "حرام أن نضحى بالبلاد". في مثل هذه العبارة يكمن منطق تصرفاتهم.
وفي الجلسة المشتركة لمجلس الوزراء ومجلس الشورى برئاسة خالد بن عبدالعزيز قرر الحاضرون بالإجماع مبايعة فيصل بالمُلك والامامة.
كتب منير العجلاني يقول:
حمل قرار مجلسي الوزراء والشورى إلى فيصل، وفي حضور عدد من أكابر العلماء والأمراء، فوقف المفتي الأكبر للمملكة ورئيس قضائها معلناً البيعة لجلالة الملك فيصل باتفاق رجال الحل والعقد ومن ورائهم الشعب كله. قال سماحته موجهاً الخطاب إلى فيصل:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وبعد، فقد حصل الاتفاق والاجماع من أمراء سائر العائلة المكرمة السعودية ومن طلبة العلم على خلع سعود بن عبدالعزيز، وهو الآن مخلوع، وسيبايع فيصل الآن، نسأله تعالى أن يوفق فيصل لما يحبه، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
ثم تقدم سماحته فبايع جلالة الملك المعظم قائلاً:
لقد بايعتك على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى إقامة العدل والإنصاف والقيام بأمور الإمامة وأداء حقوقها، المعروفة والمعلومة، وفقك الله لما يحبه ويرضاه.
فأجاب صاحب الجلالة:
وأنا من جانبي أبايعكم على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وتحكيم الشريعة، وأن أكون خادماً للشرع في جميع الأمور، وأن أسعى بكل مافي إمكاني لحفظ كيان هذا البلد وخدمة مواطنيه فيما يصلح دينهم ودنياهم […].
وتوالى الحاضرون من الأمراء والوزراء والعلماء والأعيان بمبايعة جلالته".

الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014
"قال عبدالعزيز لأحد مستشاريه وهو جالس في الكرسي المتحرك والدموع تترقرق في عينيه: ياليت عندي ثلاثة أولاد مثل فيصل".
الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014
"يقول أحمد عبدالوهاب عن الملك فيصل:
كان عائلياً، والفضل في كونه عائلياً يرجع إلى الملكة عِفّت. فهي التي أوجدت له الجو العائلي، وهي التي ربّت هؤلاء الأولاد الذين رأيتهم. وأنا أعتقد أن عفّت ربّته هو نفسه. فكان لها تأثير كبير عليه. ولذلك يقال في تاريخنا العربي إن كل رجل عظيم وراءه امرأة. كثير من العظماء وراءهم امرأة".
الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014

"كتب المستشرق محمد أسد يقول:
كنت جالساً في المكتبة تحت نوافذ المسجد الكبير. وكان الجو مريحاً في الحجرات المستطيلة الظليلة، بين المجلدات العربية والفارسية والتركية. الهدوء يخيم هناك والوئام. وفجأة ظهرت جماعة وأمامها حراس مسلحون. كانت الجماعة هي الأمير فيصل وحاشيته. مروا بالمكتبة في طريقهم إلى الكعبة. كان الأمير نحيلاً فارع القامة، والكرامة تشع من محياه ومن قيافته. وهو في الثانية والعشرين آنذاك، لم يكن ملتحياً. قدمني إليه أمين المكتبة، وهو عالم من أهالي مكة تربطني به علاقة صداقة. صافحني الأمير، وعندما انحنيت احتراماً له رفع رأسي بيده وقال والابتسامة الدافئة تشع على وجهه: نحن أهل نجد نعتقد أن الإنسان يجب ألا يركع أمام الإنسان. فالركوع في الصلاة لله وحده. كان نبله ينبع من دخيلته وليس ظاهرياً متظاهراً".

الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014

"تركت لنا المستعربة الإنجليزية جرترود بيل في كتابها الحرب العربية الصورة الأدبية الآتية لعبدالعزيز:
يداه نحيفتان بأصابع رقيقة. وتلك من سمات القبائل العربية الأصلية. ورغم قامته الفارعة وكتفيه العريضتين يبدو متعباً، لكن ذلك ليس تعباً شخصياً، وليست له علاقة بالعمل. وإنما تلك سمة من سمات شعب عريق لم يتعامل كثيراً مع الشعوب الأخرى، شعب أنفق الكثير من طاقاته الحيوية ولم يغترف إلا القليل من الطاقات خارج حدود بلاده الوعرة. حركاته المتأنية، ابتسامته الرقيقة البطيئة، عيناه اللتان تتطلعان بتأمل من بين جفون ثقيلة، كل ذلك أضاف إلى كراماته جاذبية وروعة لا يعتبرهما المنظّرون الغربيون من سمات الشخصية النشيطة. إلا أن الروايات تتحدث عن تحملّه البدني الذي قلّ أن تجد مثله حتى في جزيرة العرب بظروفها الصعبة".

الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

14 يناير 2014
"قال عبدالعزيز للرحالة المعروف والكاتب العربي من أدباء المهجر أمين الريحاني: نحن نتربى على التحمّل، وينبغي لنا أن نتحمل كل الصعاب. هذه هي طبيعة أرضنا ونمط حياتنا ومصيرنا. ويجب أن نكون مستعدين دوماً لكل شيء. أنا أعلّم أولادي أن يمشوا حفاة ويستيقظوا قبل الفجر بساعتين ويأكلوا القليل ويركبوا الجياد من دون سرج. فقد لا يبقى لنا وقت لشد السروج. ويجب ركوبها والإنطلاق رأساً. تلك هي نجد, تلك هي روح نجد، وتلك هي ظروف الحياة في نجد، وخصوصاً في جنوبها. نحن مثل بدونا".
الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه