أرشيف شهر نوفمبر 2008

30 نوفمبر 2008

" أعتقد أن الفنان كالمجنون , بينهما شيء مشترك وهو : الواقع لا يروق لهما , أو أنهما يرفضانه , أو يعانيان منه إلى حدٍ لا يطاق . المجنون يذعن , وينهار بناءه العقلي , ولا يبقى منه سوى أنقاض الواقع القديم الذي يتحرك ضمنه بصورة مضعضعة في حين يبقى الفنان قادراً على أن يبني من تلك الأجزاء واقعاً آخر . إن عملاً فنياً ما , هو كون أو نظام , وهذا بالتحديد مالا يقدر المجنون على تحقيقه "

إرنستو ساباتو بين الحرف والدم

30 نوفمبر 2008

" تساءلت مراتٍ عديدة إن كنت أؤمن أو لا أؤمن بالله . لا أستطيع أن أجيب بلا أو نعم , وإنما بواسطة الشخصيات المتناقضة التي تظهر في رواياتي . إن شخصيات الرواية تخرج من قلب المبدع وهي أقانيم تمثله وتخونه في الوقت ذاته , لأنها تفوقه بالخير أو بالظلم و بالكرم أو بالشح . إن أشخاص رواياتي تفاجئني أحياناً , وحتى أنها تثير فيّ رعباً , كالرعب الذي تثيره بغتة أشباح أحلامنا , وبآليات نفسية مشابهة , ما الذي يمكن أن يكون لدى الإنسان أشد عمقاً من حلمه ؟ إن الكاتب يرى وهو حائر , كيف تنبثق من شخصيات رواياته ( بدون قصد منه ) رذائل وأهواء يمكن أن تصل إلى نقيض ما يبدر منه في حياته العادية , فإن كان متديناً يبرز أمامه ملحدون , وحتى ممن يكون إلحادهم علنياً وصارخاً . وإن كان معروفاً بكرمه , كثيراً ما تظهر شخصياته بخيلة "

إرنستو ساباتو بين الحرف والدم

3 نوفمبر 2008

" لا أتذكر , ربما كان ذلك في "أبدون" . نعم فعلاً , لقد كتبت مرات عديدة عن سوء الفهم هذا المتعلق بالتقدم في الفن . كانت فكرة التقدم بالمعنى العام للكلمة , إحدى الركائز الكبرى للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر بخاصة , على الرغم من أنها لا تزال حتى هذا القرن حية لدى معظم الناس . يجب أن لا نعتقد أن القرون تنصرم على واقع صافرة , في الوقت ذاته بالنسبة إلى الجميع في القرن التاسع عشر , كان كتّاب من أمثال "دوستويفسكي" ومفكرون من أمثال "نيتشه" و "كيركيغارد" , ينتمون إلى عصرنا , وليس هذا وحسب , بل إنهم رأوا في خضم التفاؤل الشامل الكارثة التي ألقت بثقلها على كواهلنا . وعصرنا , في المقابل يحفل بكتّاب ومفكرين يعتقدون أنهم من القرن العشرين , ولكنهم في واقع الأمر ينتمون إلى القرن التاسع عشر . هناك في جميع الأحوال تقدم في الفكر الخالص وفي العلوم , وليس في الفن . إن الفن لا يتقدم , والسبب أن الأحلام ذاتها لا تتقدم : هل كوابيس عصرنا أفضل من كوابيس عصر يوسف التوراتي ؟ إن رياضيات "إنشتاين" تتفوق على رياضيات "أرخميدس" ولكن عوليس "جويس" ليست أسمى من عوليس "هوميروس" . تعتقد إحدى شخصيات "بروست" .. إحدى سيداته التي تثير السخرية , أن "ديبوسي" يتفوق على "بيتهوفن" لا لشيء إلا لأنه أتى بعده . لست متأكداً من اسميّ الموسيقيين , ولكنني متأكد من دعابة "بروست" اللامعة . يتوصل الفنان في كل حين إلى ما يمكن أن نسميه مطلقاً , أو جزءً من المطلق بمعناه العام . وهذا ينطبق على تمثال من عصر رمسيس الثاني , من تلك التماثيل الغامضة الهائلة , أو تمثال من عصر الواقعية اليونانية , أو من تماثيل دوناتوللي . لقد وصل الأمر بالغطرسة الأوربية "التقدمية" إلى حد التفكير بأن المصريين كانوا ينحتون على ذلك النحو بسبب عجزهم عن تمثيل العالم الخارجي كما هو , وكذلك الطبيعة والجسم .. ذلك خطأ تؤكده التماثيل التي وجدت في قبورهم , فهي تماثيل عبيد أو صنّاع مهرة نحتت حسب أدق المقاييس الواقعية وأشدّها صرامة . لا , بحق الله ! كانوا ينحتون فراعنتهم الأموات , أو آلهتهم بهذا الشكل الهندسي والمجرد لأن الواقع الحقيقي بالنسبة إليهم لم يكن هذا العالم العابر , عالم الأنهار والأحصنة التي تجري وأجسامنا التي تهرم وتموت , وإنما واقع مابعد الموت , ذلك الواقع ثابت . ومالذي يشبه ذلك الواقع الثابت الأبدي في عالمنا هذا ؟ إنها الهندسة . لذلك فإن فنهم كان يستجيب , بوعي وبلا وعي , لغيبيتهم . لمعنى وجودهم الحقيقي والخادع . كانت هذه الحياة خادعة , والحقيقي هو الموت وخلودهم "

إرنستو ساباتو بين الحرف والدم

2 نوفمبر 2008

" قلت لك إنني درست الرياضيات بحثاً عن نظام أفلاطوني . كنت دائماً أعتبر نفسي ملوثاً ومتناقضاً , وهذا هو سبب افتتاني بالنظام المثالي . لقد ابتدع الأفلاطونية أشخاص كانوا إنسانيين جداً . عندما رأى رجل غريب سقراط قال : إن كل العيوب تُرى على وجهه . بعد ذلك أدركت أن ذلك العالم قد بلغ مرتبة الكمال , ولكنه لم يكن إنسانياً . وأنا كان يعنيني , ومازال يعنيني , الإنسان بلحمه وعظمه . ولهذا عدت تحت وطأة أزمة روحية عميقة , إلى واحدة من موهبتيّ المبكرتين : الأدب , سيئاً كان أم جيداً . فعلت ذلك بكل ما أوتيت من قوة . وبعد أن أصيب بصري منذ سنوات بمرض لا شفاء منه , منعني من القراءة والكتابة , تشبثت حينئذٍ بهوى صباي الآخر : الرسم . فالمساحة التي تشغلها اللوحة تساعد على ممارسته . لست الكاتب الوحيد الذي يرسم , كان "كولوشكا" كاتباً وانتهى به الأمر إلى أن يصبح رساماً . كما رسم "هنري ميشو" في الوقت الذي كان فيه يكتب . ليس في الأمر غرابة , هنالك آخرون : فيكتور هيوغو , كيبلبلغ , غوته , هوفان , تولستوي , هس , كارول , بودلير , بوشكين , تريند برغ , بلاك , رمبو , أرتود "

إرنستو ساباتو بين الحرف والدم

1 نوفمبر 2008

" رسم هذه الصورة الذاتية , ذكرك بالصورة التي رسمتَها لفينسنت , في أسابيع العزلة تلك التي فرضتها الأمطار والرياح الشمالية الباردة , في البيت الأصفر في آرل , حين رسمته وهو يرسم عباد الشمس , الزهرة المتسلطة على عقل الهولندي . فقد كان يرسمها دون هوادة , وغالباً ما يشير إليها عندما يعرض نظرياته حول الرسم . فهذه الزهور في رأيه لا تتابع حركة الشمس مصادفة , أو في استجابة عمياء لقوانين الطبيعة . إن فيها شيئاً من نار النجم الملك , وإذا ما راقبها المرء بورع فينسنت وعناده في مراقبتها , فإنه سيلمح "الهالة" المحيطة بها . وبرسمها , كان يحاول أن يجعلها مشاعل وقناديل , دون أن تتخلى عن كونها عباد شمس . يا للجنون ! عندما أراك الهولندي المجنون البيت الأصفر , أول مرة عرض عليك بفخر زهور عباد الشمس التي رسمها وهي تشع , حرفياً , ذهباً سائلاً ومتوهجاً على سريرك . وقد كبحتَ بصعوبة إيماءة استياء . لهذا السبب رسمته محاطاً بعباد الشمس . ولم يكن في الصورة – بكل تعمد – ذلك الضوء الرجراج الذي يفرضه فينسنت على لوحاته . بل على العكس , كانت كالحة بعض الشيء , شاحبة , وتبدي فيها الأزهار , والرسام على السواء , ظلالها الغائمة المختلطة بمحيطها . وأكثر مما هو كائن بشري محدد ومتماسك , بدا فينسنت حزمة , دمية متيبسة , محنطة , فريسة توتر لايطاق , يوشك أن ينفجر , يفرقع : رجل – بركان . تصلّب ذراعه اليسرى , بصورة خاصة , التي تمسك الفرشاة , تكشف الجهد الخارق الذي عليه بذله كي يواصل الرسم . كل ذلك يبدو راكداً في وجهه المقطب , في نظرته التي يبدو أنها تقول : " أنا لا أرسم , أنا أضحي " . لم تعجب الصورة فينسنت . فعندما عرضتها عليه , ظل يتأملها لبعض الوقت , بشحوب شديد , وهو يعض على شفته السفلى , تلك الحركة التي تداهمه في اللحظات السيئة . ودمدم أخيراً : " أجل , هذا أنا . ولكن مجنوناً " .

الفردوس على الناصية الأخرى