أرشيف تصنيف 'صحافة'

26 أكتوبر 2013
خرجنا من الكنيسة في تلك الصبيحة. هل خرجنا أم انبسطت الكنيسة على ساحتها؟ أليست هي مدعوّة أن تكون المدى؟ خرجنا لنلتقي نحن البشر الذين كنا في الداخل. هل انقطعنا عن الداخل أم تغيرت فقط الأشكال الهندسية؟ خرجنا حاملين ما سمعناه. أخرجنا الكلمات من الكتب لتصير فينا ألحانًا ومعاني ونصيرها، ليلتحم الحرف بالكلمة والقلم بما كان في البدء، ليعود كل شيء إلى البدء.
عملية حب نفّذناها بكلمات سمعناها ثم قلناها. عندما قال صاحب الإنجيل الرابع: "في البدء كان الكلمة" إذا قرأناها عربيًا – وهذا حق لنا – يريد أنّ في البدء كان الجرح. القلب يجرحه الله ليلد منه كلمات وبلا جرح تخلو من المعنى. كل شيء جاء من ذاك الذي طعن جنبه بحربة «وخرج منه دم وماء». والذي عاين شهد ونحن بدورنا بالحب نعاين ونشهد والحب يتدفق من أفواهنا كلمات تبقى إلى الأبد.
عندما رأيت الأحد الماضي المؤمنين في ساحة الكنيسة يتحدثون تساءلت هل انتهت المسرحية التي لعبتها الملائكة في البيعة؟ ما الفارق بين طعام الملائكة وما ذاقه العاشقون ربهم في ذبيحة الحب التي ذبحت لهم دما وقيامة؟ هل تجاوزت رؤى القديسين أم رؤى القديسين وشعوري بهم واحد؟ جرحي أنّ هذه الجماهير المتجمعة صبيحة الآحاد ما دخلت في سرّ الحب الإلهي الا ذلك الدخول الكلامي الذي بقي على الألسنة وكأننا ما كسرنا باب القبر ليخرج منه المخلص. هل إذا خرج المؤمنون الى العالم يحملون اليه المسيح الذي اتخذوه في المناولة الإلهية أم مات فيهم فور المناولة؟ أنا أريد أن أعتقد أنّ شيئًا من السيد المبارك يبقى في كل من تناوله صباح الأحد ليصبح به إنسانًا جديدًا حيًّا بالحق.
ثم رأيت أن الكنيسة في ساحتها الخارجية ليست الا ذاتها في ساحتها الداخلية لأن الناطق بنا داخل الجدران هو إياه الناطق بنا خارج الجدران. رأيت أننا صباح الأحد حياة دفوق، بشر نازلون من السماء. فلكون المسيح صعد إليها من بعد قيامته ننزل نحن منها لكوننا نجيء منه.
نجيء هكذا بعد أن بتنا قياميين بحيث أننا نكون حملنا نوره الينا ورأينا به. القيامة فينا تعني أننا غلبنا الموت. انبعاثنا بقوة الروح القدس ما كان فينا وعدا فقط. هو جرعات البعث الأخير، أذواق مقسّطة لذوقنا النهائي لله. القيامة مبثوثة إلى كل يوم فينا إن بقينا في حال التسليم لأن القيامة حال بعد أن كانت في المسيح حدثا.
أجل المؤمن بيسوع يموت قسطًا بعد قسط في هذا السر أنه يخطئ ويفنى ثم يعود بحياة القيامة التي تجددت فيه. الموت يعود إلينا لكنه لا يفنينا لأن قيامة المسيح حدث نهائي. إنها حدث نهائي فينا والموت إذًا طارئ. عندما نرتل في الفصح: المسيح قام من بين الأموات لا نريد قيامة يومًا واحدًا بل قيامة أبدية. تخترقها ميتاتنا ولا تلغيها لأننا نتجدد بوعده لنا بالروح القدس وبانبعاثنا من خطيئة حتى يزول الموت حسب وعد الروح.
المطران جورج خضر – النهار

26 أكتوبر 2013

"عندما تغادر البوسطة ساحة القرية،
يرفرف خلفها طير، أو فراشة، كما لو كانت
سفينة مهاجرة يودِّعها النوْرَس لحظة الإبحار"
أورتيغا

 

المسألة، دائماً، أن المتفردين لا يرحلون كأفراد. أحياناً يرحلون كجماعة، وأحياناً كظاهرة، وأحياناً كمرحلة وقَّعوا على بدايتها وصار موتهم خاتمتها. وديع الصافي مرحلة بدأت منتصف القرن الماضي مع جمالات القرن الماضي، وانتهت مع عذابات هذا القرن. لن يغنّي أحد لبنان بعد اليوم "كقطعة سما"، لأنه أصبح قطعة من هباء الشرق، ولن يكتب الشعراء من بعده أغنية تبدأ بـ"طلّ الصباح وزقزق العصفور"، لأن العصافير لم تعد تأمَن المرور حتى في طريق الهجرة. لن يعاتب عاشق حبيبته بثلاثة أحرف حزينة، مهزومة، مثل عرائش الخريف: ولو!…
كتب له هذه الأغنية أسعد السبعلي، الذي تحدّث إلى جيزيل خوري عن شبابه في بيروت، جالساً حول موقد فقير في الجبل. قال لها إنه أحب زوجته حباً كثيراً. خطبَها وتزوَّجها، وحملها معه إلى البيت الزوجي، هنا، في الجبل، حول الموقد. كيف؟ ركبا معاً البوسطة من بيروت. مبروك يا أسعد.
لم يكن السبعلي يُدرك أنه يُبكي السامعين في حكاية تشبه أفراح الرسوم المتحركة. لكنَّنا كنّا نتأمّل في تذكاراته وفي الموقد الشحيح، ونتذكّر تلك الكوكبة التي نزلت من الجبال، بفقر وقِلّة وحلم كبير، لتصوغ صورة لبنان الجديد. لبنان المُغنّى. نزل الصافي من تومات (مرتفعات) نيحا، والسبعلي من سبعل، والرحابنة من مراعي الشوير، ولا أدري من أين نزل أسعد سابا، ومن الغباطية في جوَارنا نزل مارون كرم، ومن مرارات الفقر ولؤمه، نزل بحدّته ومرارته توفيق بركات، ومن وادي شحرور أطلَّت شحرورة الوادي، ومن مزيارة ركب يونس الابن الغيم والضباب، ومن مشغرة جاء لورد الفولكلور زكي ناصيف.
القاسم المشترك بينهم لم يكن وحده الصوت، ولا نوع الموسيقى، ولا جزالة الشعر. كان، أنهم أتوا من جبل مأخوذ بطمأنينته إلى مدينة مشغولة بقلقها، خائفة على غدها. كانوا مرتضين بكفاية اسمها لبنان، فوجدوا مدناً لا ترتضيه. رأوا الساحل، بعكس الجبل، متواطئاً مع الخارج، خجولاً بالداخل، الذي أدار له ظهره. غنّوا للجبل من أجل أن تفرح الولاية وتفرد لهم مكاناً وقبولاً.
على كتفَيه حمل وديع الصافي الجبل، تساعده حنجرة من صوّان ونشوة ووديان. لم تُذبه المدينة، وأيضاً لم تشذِّب الريفيّ الذي فيه، ولم تخفّف حَذر القرى، وخوفها من الديب، وغدر المواسم. الحذر منعه من أن يسلِّم ثروته الالماسية إلى خبير يعدّد آفاقها. الرحابنة لم يتوقفوا عن توسُّل الصقل وسبر الآفاق. صغاراً لجأوا إلى مدرسة الأب بولس الأشقر، معلِّم الموسيقى الوحيد في متناولهم، وكباراً اعتمدوا خُبُرات صبري الشريف، القادم من "الشرق الأدنى". وقد ظلّ "الموزِّع" لهم الموسيقى طوال سِفر الأغنية، في عطائهم المشترك.
وديع كان معتدّاً بصوته، يعتقد أنه فوق اللحن والشعر. لذلك أخفق في العمل الجماعي. وفات، كما فات الفن والموسيقى، استمرار ظهوراته مع فيروز وصباح، وبقي أسير عُوده وحده، بينما تنقَّل الرحابنة في الألوان، من تانغو "البالوما" وميلانكوليا "عتاب" إلى هدير "أجراس العودة"، ومن فخر الدين إلى بترا، المملكة المحفورة في صخر.
على أن وديع صمَد بلونه ووحدانيّته. نقل لبنان وجبله إلى مسارح تونس والكويت ومصر. حمله إلى اللبنانيين الذائبين حنيناً، في البرازيل وأميركا الشمالية، وأوروبا، إلى وفر الصبا.
كان له طقس في الغناء: مهما غنّى خلال السهرة لنفسه أو لسواه، لا بدّ أن يبدأ بأغنية عن لبنان، ويختم بأغنية للبنان. كان يعتبر لبنان مسؤولية رعوية، مثل أولاده، الذين جعلهم فرقته الخاصة. لا غرباء في البيت. حتى عندما أراد شريكة في الغناء، اختار زوجة ابنه. هكذا حرم نفسه وحرم الفن والإبداع، استمرار تلك الشركة العابرة مع فيروز أو صباح، أو نجاح سلام.
يا أستاذنا الحبيب، قلت له مرة، تخيَّل هذا المشهد: أنت وفيروز وصباح على مسرح واحد، تغنّون، أي شيء من دفاتركم. تصدحون. تدندنون. أنت على عُودك. صباح على زُلُفِها. فيروز على قمرها. تصوّر… لا تحرموا العالم العربي هذا اللقاء.
لم يخرج القروي من وديع. قطع كل هذا التمنّي بغضبة نيحاوية: "روح يا سَندي احكي فيروز وبعدين رجاع". لم أرُح طبعاً إلى فيروز. أنا كنت أتحدث إليه كحالم يذهب إلى سماعه في باريس وفي لندن وفي الحازمية، وليس كراعي حفلات.
إنها روح الفنّان. أو روح الإنسان. كان وديع يرتِّل إلى الله طوال النهار، شاكراً نِعَمه. يُقيم النذور في الكنائس، ويتطلَّع إلى السماء ويبلِّغها همساً امتنانه. لكنه كان دائم العتب على الأرض وأهلها وديارها. وعلى رغم المكان الذي بلغه، ظلّ يشعر بالخوف. لم تخرج القرية منه. اثنان لا يؤتمنان: الفقر والديب. وفي طريقه الطويل كم رأى من حوله الفنّانين يسقطون في الفقر والنسيان والإهمال. نجوم لامعة تبهت وتسقط. النزلة الأخيرة عن المسرح قَدَم أولى في الموت المهني، وأحياناً حتى في موات الحياة وضنى الأيام. كم رآهم من حوله مَرضى لا يملكون العلاج، ومعوَزين لا يملكون حتى الستر، وكم سمع عنهم في مصر لم يعد لهم رفاق سوى القطط.
كانوا فرقة سلاح المواهب وفرسان الجبل. فيما كان الكونسرفاتوار يعلِّم الموسيقى للقادرين، كان عاصي الرحباني يتسقَّط علم الألحان من النوافذ. فيما كان أحمد رامي يعرِّب الخيّام لأم كلثوم، كان أسعد السبعلي يكتب "ولَو" لوديع الصافي. فيما كان الزجل المصري يرقرق العيون، كان الزجل اللبناني يهدهد الجفون. فرقة الروَّاد الذين يأتون مرة واحدة ليفاجئوا العصر. ينزلون من نيحا ومن سبعل ومن طريق النحل وليس لهم في بيروت إلاَّغرفة شقيّة بلا أثاث، خلف سوق النجارين. خلف سوق الحدادين. خلف سوق العطّارات! كان القرويّون المندهشون يسمّون كل شارع سوقاً. كانوا الجبل وكانت بيروت مجموعة قرى ساحلية متلاصقة. آباؤهم مرّوا بها فقط لكي يركبوا ميناءها على عجل. هم أداروا ظهورهم للميناء. "لن يبنوا أنّى نشأ لبنانا" كما صاح سعيد عقل، بل سوف يبنون لبناناً صغيراً هنا، في العاصمة المولودة حديثاً، وسوف يحاولون إغراء بقية الجبليين بالبقاء، أمّا أهل المدينة، ورجال "مؤتمر الساحل"، فسوف يحاولون إغراءهم بالقبول بهذه الدولة الجديدة، دولة يُغنّى لها، ووطن يٌشهِرُ حبّه بلا خجل، يتفرّد أهله بالأشياء الجميلة.
يقول الحَبر كلود فرولو في "أحدب نوتردام": الكتاب سوف يقتل العمارة! قتل الكتاب اللبناني غول الأحجام. ارتضى العرب بشارة الخوري خليفة لأحمد شوقي. حوَّل الرحابنة قلعة بعلبك الصامتة كدهرها، قلعة تغوي القمر بالاقتراب ليسمع جيّداً ماذا تغنّيه. ذهب وديع إلى نهر الكلب، ينافسهم وينكي إهمالهم له، فغرق في شختورة المنافسة. مسح بلَل الغرق وقام.
شكّلوا، مجموعة أو أفراداً، مصرفاً هائلاً لم يُكتب اسمه على أي مبنى: مصرف تسليف الفرح. مصنع تصدير الفَرَح. شركة توصيل العشّاق حتى بالبوسطة. الفرقة المجانية لموسيقى وأغاني الأعراس. في الجبل وفي المدينة، في السهول وفي السهوب، كانوا يغنّون فتطرَب الأرض وتردّد الوديان. مخمَّس مردود.
صار العالم العربي يحب لبنان ويغبطه. بلد لا نيلَ فيه ولا كرنك، لكن الأمَّة تصغي إليه كما تصغي إلى أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم. بلد عاميَّةٌ صعبة وضيِّقة وألفاظها خشنة و"دبشة"، ومع ذلك يضعه مغنّوه على البرنامج الإذاعي في الجزائر أو تونس أو جيبوتي.
لم يعد هناك اليوم شيء يُدعى الجبل إلاّ بالمعنى السياسي. بالمعنى الشعري والفنّي، صار جزءاً من المدينة. انطوى مسرحه وانطوت تقاليده وتغيَّر معناه. استراحت القافلة. لم يعد "ناي" جوزف أيوب يتفرّد "صولو" في الأغاني كلما أراد المغني شدّنا إلى عالم الرعيان وصفاء الأودية. مرحلة ومضت… جبل وهوى.
النهار

وسائل إعلام تمارس التضليل

30 يونيو 2013
"كان هتلر فاشيا، ولذلك كانت ألمانيا كذلك. لم يسأل أحد ملايين الألمان المعارضين للفاشية المقيمين في ألمانيا عن آرائهم. كان ستالين شيوعيا، ومن ثم كان السوفيات كذلك بالمثل. لكن ماذا عن ملايين الروس الذين تجرعوا كؤوس المعاناة تحت حكم الشيوعية؟ هل سمعت من قبل عن ثورتهم ضد الشيوعية؟ كلا.. لأنه لم يكن من المتاح بالنسبة لهم أن يجعلوا أصواتهم مسموعة. لم تكن وسائل الإعلام خاضعة مطلقا لسيطرتهم. إنهم فقط يقرأون «البرافدا» ونشأوا على تلقي تعاليم ماركس من التلفزيون، أو الاستماع لخطاب هتلر في الإذاعة.
نحن مختلفون. بإمكاننا الدخول على شبكة الإنترنت من هواتفنا الجوالة. وبوسعنا أن نخبر العالم بأسره أشياء وأن نصل لأي معلومات نريدها وقتما نشاء. هذا أمر جيد بالطبع، لكنه من القوة بالدرجة الكافية أيضا لإطاحة حكومات وإغراق اقتصاد، بل وحتى تمزيق أوصال أمم.
تظهر أنظمة مضللة عدة تهدف لخداع عامة الشعب في أوقات التوترات. ويعرف هذا باسم التضليل. تحت تأثير التضليل، قد يخرج مواطن يجلس صامتا في منزله إلى الشوارع، ويجد نفسه وسط حشد مكتظ يضرم النيران في السيارات. وربما يصبح مؤيدا عنيفا لمظاهرات لا يدري هدفها. إن لوسائل الإعلام تأثيرا قويا.
يصف عالم الاجتماع الأميركي، ريفرز، بشكل جدير بالملاحظة، وسائل الإعلام بأنها «حكومة ثانية أو أخرى» (ريفرز، 1982: 7-20).
كانت واحدة من أكثر المنظمات التي سمعنا عنها في وسائل الإعلام التركية إبان المظاهرات التركية التي استمرت على مدار ثلاثة أسابيع هي «أوتبور». كانت «أوتبور» منظمة شبابية لعبت دورا رئيسا في انقسام يوغوسلافيا، وفي الثورات «الملونة» في أوروبا الشرقية والقوقاز ووسط آسيا وفي تنظيم المظاهرات في نيويورك من موقع «تويتر». لقد سمع اسم «أوتبور»، التي تمول من قبل الصندوق الوطني للديمقراطية التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، في تركيا لسببين: أولا، أنها كانت حركة منظمة، والثاني أنها أقيمت من خلال مواقع تواصل اجتماعي مثل «تويتر».
في واقع الأمر، كان كل شيء يحدث أمام أعين هؤلاء الذين يتابعون مواقع التواصل الاجتماعي. كان هناك أفراد وصفوا الحكومة بأنها ديكتاتورية وأرادوا انقلابا، وقالوا: «نحن لا نعبأ بما إذا انفصلت الدولة، طالما تغيرت الحكومة»، والذين كانوا أعضاء في جماعات شيوعية أحدثوا أكبر المشكلات إبان تلك الأحداث. ولكن المشكلة كالتالي؛ كان بعض الناس يستمع إليهم بإنصات شديد. أنتجت بعض الصحف الأجنبية البارزة عناوين أخبار تتحدث عن «مذبحة» استنادا إلى تقارير مغلوطة على موقع «تويتر». ربما تكون الوسيلة التي تمكنت من خلالها وسائل الإعلام العالمية من إنتاج تقارير لم يتحقق من صحتها.
نشرت «سي إن إن إنترناشيونال» صورة لمسيرة مؤيدة للنظام شارك فيها أكثر من مليون شخص ووصفتها بأنها «مظاهرة معارضة للنظام في تركيا». هل تعتقدون أن هذا كان خطأ؟ كلا على الإطلاق. أرسل مسؤولون حكوميون وممثلون من الصحافة التركية تحذيرات إلى «سي إن إن إنترناشيونال» عبر وسائل متعددة. بالطبع سمعت «سي إن إن»، التي تعلم بظهور أي صحيفة جديدة في تركيا وجعلها الموضوع الذي يحتل صفحة غلافها على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية، تلك التحذيرات. غير أنها لم تجد غضاضة في إبقاء الخبر على صفحتها الرئيسة لما يقرب من يومين، وهي فترة طويلة، إذ ان أفعال التحريض قد تنتشر على نطاق واسع.
كانت ألمانيا مثالا شائقا. استخدمت المستشارة الألمانية ميركل لغة غريبة في انتقاد الحكومة التركية، بينما أطلقت صحيفة ألمانية يومية سيلا من الإهانات ضد رئيس الوزراء التركي.
دعونا نشر بين الأقواس إلى أن مصرفا ألمانيا بارزا حقق ربحا قيمته 187 مليون ليرة تركية (96 مليون دولار) في بورصة إسطنبول إبان المظاهرات. توضح كلمات جوزيف غوبلز، وزير الدعاية السياسية في عهد هتلر، الكثير: «الناس يصدقون الأكاذيب الكبيرة بشكل أسرع من تصديقهم الأكاذيب الصغيرة. إذا كررت كذبة، فسوف يصدقها الناس في نهاية المطاف».
ماذا يحدث عندما يصدقونها؟ دعونا نستمع إلى إيفان ماروفيك، زعيم «أوتبور»: «لا شيء يحدث (عفويا) في التخطيط لعمل ثوري! ربما يبدو أن الناس قد تدفقوا فجأة إلى الشوارع. لكن تلك نتيجة التحضير الدقيق الذي استمر لأشهر بل لأعوام! إن كل شيء يبقى تحت السيطرة الكاملة، حتى الوصول لنقطة بعينها، وإلى أن يجري تنظيم الاحتجاجات والمظاهرات. لكن عندما تصل إلى تلك النقطة، يصل كل شيء إلى نهاية خلال بضعة أسابيع!» (ريفولشن يو، «فورين بوليسي»، 16 فبراير/ شباط 2011).
من ثم، عندما يصدق الناس تلك الأكذوبة الكبرى، تندلع الثورات. تستلزم فرضية روكفيلر أن «تصبح الدول المائتان في العالم اليوم عما قريب ألف دولة»، أي تفكك الدول؛ كارثة مثل الفاشية يمكن أن تلقى ترحيبا من شعب دولة، أو ربما يصبح الناس عبيدا للشيوعية من خلال دعاية لينينية.
هذا هو نطاق التضليل الذي عمل كمخطط للثورات البرتقالية.
بالطبع، كان لهذا التضليل تأثير مدمر في مظاهرات ساحة «تقسيم». لكن توقعات المحرضين لم تحدث. لم تكن هناك مذبحة في الشوارع أو ثورة دموية. تبدو الأمور هادئة في تلك اللحظة. ويتمثل أحد أسباب ذلك في أن وسائل الإعلام قد وظفت مجددا بشكل فعلي. تم تحذير المتظاهرين الشباب السلميين بسرعة ضد المحرضين وخططهم التدميرية. وسرعان ما أدركوا أن «أهدافهم ليست مماثلة لأهدافنا». من المهم توفير معلومات دقيقة بشفافية وفاعلية. غير أن ثمة أمرا آخر يحتاج إلى التعلم؛ ألا وهو الحب."
آيلين كوجامان – الشرق الأوسط

9 يونيو 2012

"في عقول الصغار السعيدة تقع المصابات بالترتيب المبسّط: يغيب أولا الجد والجدة، ثم الأب والأم. اذا كنت محظوظا، هكذا تتراتب الغيابات، بحيث يخفف من حزنك الشعور بأنهم عاشوا مدى أعمارهم". هكذا يكتب فيليب روث. في المأساة الكبرى، يحدث العكس تماماً: تغيب، أولا، نايلة الصغرى. وقبل ان تغيب، تقول لوالدها في مستشفى لندن: بابا، افعل شيئا، فأنا لا أريد ان أموت. تركت له درسا في مدى العجز البشري، وغابت. ثم غابت ناديا، وقد فقدت في الايام الاخيرة شعرها وشجاعتها ولم تعد تستطيع، من أجله، مقاومة البكاء. لم تكن تريد ان تفارقه. ثم غاب عز الغياب، مكرم، قبيل عودته الى هارفرد، حيث كان يفترض ان يكمل ما بدأه الأب. ثم حدث الغياب الذي طالما ارتعد من التفكير فيه: قتل جبران في بركة من الحبر والحرية. بعده، راح الشتاء يحيط بالعرين.
غمرت الثلوج الابواب وغطت النوافذ، وشلت الطرقات. ورأينا انحناءته اللطيفة، التي كانت جزءا من حضوره الكثير، تنكسر به وتلوي خلايا الصلابة فيه. لم يفقد في جبران بكره وحلمه بل استمراريته. قبّل جبين نايلة وناديا ومكرم مودعاً، لكنه عاتب قتلة جبران محترقاً: كيف لا تتركون لنا جبيناً نقبله؟
حرصت في الاشهر الاخيرة ان أقبل يده مسلما وأن أقبل جبينه مودعا. كنت أشعر انه في صمته وتعذبه في محاولة النطق يعطينا الدرس الاخير. أمضينا نصف قرن معه وهو المعلم. هو الاستاذ. هو الشاهق ونحن الظلال. كبرنا وانما فقط كظل في ظل قامته. وكانت ترعبنا فكرة الغياب. ستدخل القامة في الغروب ويتيه الظل في جمع نفسه. ستفقد الظلال أصلها.
في "الدرس الاخير" يفزع ألفونس دوديه عندما يبلغ مع أبناء صفه ان الاستاذ هاميل سوف يتوقف عن التعليم بعد اليوم، فيسأل نفسه، كيف سوف يغيب الاستاذ هاميل وأنا لم أتعلم شيئا بعد؟ عندما دبّ الشتاء في عرين بيت مري وأخذ الثلج يتراكم، كنت أعترف له في صمت انه لم يخيل لنا ان الدروس سوف تقفل ذات يوم. أضعنا الكثير من الوقت في ما لم نتعلم. وما حفظناه كان ضئيلا على ما علّم. لقبناه "المعلم"، ليس بمعنى صاحب العمل، بل بمعنى الاستاذ هاميل. أي الذي، عندما يتوقف، تدرك انك لم تتعلم شيئا بعد. الدرس الاخير.
الكِبَر لا يعلّم. كانت "النهار" مليئة بأشياء اليوم الصغيرة. غيرة وضعف ونم وضعف وأخطاء وخواءات عابرة وضعف وبشر ومتزاحمون وخائفون وضعفاء. وظل في الطابق التاسع، شاهقاً وصلباً، يحرك الحلول ويجمّد النوازع. كان لكل فرد في "النهار" دور ما، صغيراً أو أساسياً، أما هو فكان، هو "النهار". هو شجاعتها، وهو فكرها، وهو حمايتها، وهو ادارة صعوباتها، وهو تدبير كفافها، وهو من يحلم عن نفسه وعنا. لم يكن في "النهار" حلم سواه. لم يكن أحد يجرؤ على المغامرة. وظل دارتانيان وحيدا على فرسه، وحيدا يعبر الغاب. ولم يكن يتبقى سوى ان يكتب المسيو دوما، رواية جديدة، ليس فيها أربعة فرسان. فارس واحد وحصان قادر على حمل الفارس وخلفه الأميرة.
أينما كان، كان هو الرجل والمكان. يخطف الضوء والاعجاب والاصغاء. صحافياً ووزيراً وسفيراً ونائباً ومحاضراً. كم كان حضوره كثيراً. كم بسببه حزنت الناس لأن الشرط الماروني أغلق دونه باب الرئاسة، من دون ان يفرض ألق غسان تويني وآفاقه وسعة عالمه.
كنا قريبين منه الى درجة أغفلتنا عن كونه مجنحاً. لعن الله الإلفة كم تخفي من دلائل العلو. لم ننتبه انه لم يكتب مرة عن مصابه ولم يئن بجروحه. لم يتبذل للحياة، ولا تبذل للموت. عبر بهما واليهما، كما تعلم في الفسلفة اليونانية وفي الكنيسة، التي كاد يكون حبراً من أحبارها، أنهما خلطة الوجود. كلاهما طريق مفض الى حتمية الآخر، الحياة تلد الموت. وقد ولدت له موتا كثيرا.
لكن، فقط، عندما لم يعد في امكانه ان يكتب افتتاحية الاثنين او حتى ان يمليها، تعثر شخصه المتنوع والمتفرد والحالم والشجاع بجفاف الجسد وهشاشة العضل والعظام. بدأ هذا عندما أبلغ بأكثر شيء أخفاه: ان يكون هو، قد دفع السجن ثمن الحرية، فيما سوف يدفع جبران في زمن القتل شبابه ثمنا لها. شعرنا ان أعمدة الكاتدرائية التي طالما ساندها بكفتيه، سوف تبدأ في التشقق. لقد جربته الحياة بأقصى احجياتها: اعطته اجمل ما عندها، وتركت الموت يأخذ منه اجمل من عنده.
كان انطون تشيكوف يقول لكاتب شاب، نصيحتي ان تكتب. اكتب. واستمر تكتب الى ان تلتف اصابع يدك على بعضها. وبعدها حاول ايضاً. كان تشيكوف طبيباً، فكان يعرف ان الاصابع تطبق على نفسها عندما يعتي عليها العمر. وفي الاشهر الاخيرة كنت ارفع يده لأقبلها، فيداً منقبضة ألقى. لا افتتاحية الاثنين بعد اليوم. وسوف يأخذ المعلم معه الدرس الاخير.
كان قائد الفرقة الذي يعرف دور الوتر اكثر من صاحب الكمان. ويعرف متى العلو ومتى تقرع القرع ضرباً سريعاً. هو الادارة وهو التحرير وهو نوعية الورق. وهو يسدد الديون عن الكتّاب المسرفين في جهل الحساب. يقول الفونس دوديه: "والآن ادركت لماذا جاء شيوخ القرية وجلسوا هناك، في آخر الصف. لأنهم شعروا بالأسف لكونهم لم يحضروا صفوف الاستاذ هاميل اكثر. كانت هذه طريقتهم في ان يشكروا الاستاذ على اربعين عاماً من الخدمة الامينة، وفي اظهار إخلاصهم للوطن الذي لم يعد وطنهم".
خاف التلميذ دوديه ان يطلب منه الاستاذ هاميل، ان يسمع ما لم ينجح ابداً في حفظه: اسم الفاعل! دعاه الاستاذ الى الوقوف: "لن اؤنبك هذه المرة، لانك تشعر بالذنب بما يكفي. هل ترى الآن كيف كنا نقول لانفسنا: تباً. أمامنا الكثير من الوقت. سوف اتعلم الدرس غداً. واليك ما هي النتيجة الآن. آه، هذه هي مشكلة اهل الالزاس الكبرى: يؤجلون التعلم الى غد. لكن لست وحدك ايها المسكين الصغير. جميعنا لدينا الكثير مما نندم عليه".
لم يكن المعلم يعطي الدروس لنا وحدنا. صف صباح الاثنين كان للعموم: درس الوطن والحرية: حاذروا فقد سقط من حولكم الجدار. حاذروا فالسقف ينهار فوق الجميع. حاذروا فالعسكر يكرهون الحريات ويبنون السجون للرأي والنقاش. كان معجباً، اكثر من اي احد آخر، بالاحرار الذين اختلف معهم في الرؤية الى الوطن: موسى الصدر وكمال جنبلاط ورشيد كرامي. هل هو القدر ام التلاعب به؟ ان يغيب الثلاثة في حرب واحدة على لبنان.
كان يسميها "حروب الآخرين"، ويأبى ان يكمل العنوان: "بأدوات محلية ساقطة وايد لبنانية رخيصة وقلوب كافرة بالارض". تجاهل ما كان يروي لنا عن السبوت السود والرش على جدران الباشورة وحواجز البربير، خوفاً من ان ينكر وطنه، فضّل النكران عن شعبه. لم يصدق يوماً ان اللبنانيين الذين انتخبوه ابن 25 عاماً اسقطوه ملكاً ابن اربعين. كان لبنانه كذبة جميلة: جورج شحادة وصنوبرات بيت مري في نسائم المساء، وحوارات ظهر الاحد. عاشق الاوطان هو ايضاً لا يدرك انها مرضى بشعوبها.
"هل سوف يفرضون على الحمام ايضاً ان يهدل بالالمانية" يتساءل دوديه، وهو يتأمل الاستاذ هاميل يجمع اوراقه وقد ارتدى بذلة الاحد، بدل ثياب الاسبوع: "كيفما تطلعت، رأيت الاستاذ هاميل ساكناً يحملق في شيء ثم في آخر، كأنه يريد ان يثبت في ذاكرته صورة الصف، تخيّل. لقد ظل هناك في هذا المكان طوال اربعين عاماً، حديقته الصغيرة خارج النافذة وتلامذته امامه. فقط الطاولات والمقاعد حفت، لكن أشجار الجوز في الحديقة تباسقت والعريشة التي زرعها تسلقت الجدار وحدائد النافذة حتى السطح. كم كسر قلبه ان يودع هذا المشهد. كما اذكر ذلك الدرس الاخير.
كان ايضاً المعلّم الاول والمعلّم الاخير. وكان حضوره كثيراً، في الصحافة في اللغات في الثقافات وفي الرفعة. قال تشيكوف للكاتب ايفان بونين في درسه الاول له: "لا تدع يديك تخملان. اكتب طوال الوقت طوال حياتك". ثم قال: "لماذا تعتقد ان تولستوي يمتدحنا؟ لانه ينظر الينا كأطفال. كل ما كتبناه لعب اطفال بالنسبة اليه".
عندما كنت شاباً وكان في ذروته ملكاً، كان يصل صباح الاثنين الى "النهار" ويتصل بي من الطابق التاسع: "هل قرأت الافتتاحية؟ عجل اقرأها. انا احاول ان اقلد انشاءك". واضحك من نفسي في الطابق الثاني، قائلاً: "ايها المعلّم. هكذا كان تولستوي يسخر من مقلديه".

3 يونيو 2012

16 مايو 2012

 

لاحظ ألبير كامو مرة أن جان بول سارتر يتودد إلى سيدة جميلة بالكثير من التوسل، فقال له: «ما بك؟ ألا تعرف حجمك بين الناس؟». فرد سارتر بأسى: «بشرفك، ألم تنتبه إلى وجهي؟». كانا أشهر مفكرين وكاتبين في فرنسا القرن الماضي على نقيضي الملامح: سارتر أقرب إلى الدمامة، وكامو على وسامة ظاهرة، يلقبه الناس «همفري بوغارت» ساحر هوليوود في الخمسينات وبطل الفيلم الكلاسيكي «كازابلانكا»، أو الدار البيضاء.
البعض أحب كامو كاتبا أيضا أكثر من سارتر. وأحبوه إنسانا. رفض الجزائريون اعتباره جزائريا، وتأخر الكثيرون من الفرنسيين في اعتباره فرنسيا. وظل بالنسبة إلى الجميع «متوسطيا» بدماء فرنسية. ناصر الثورة الجزائرية من موقع إنساني واعتراضا على السياسة الاستعمارية. لكن الثورة حاربته عندما قال إن العبودية لا تتجزأ.
كان والده جنديا بسيطا مات وهو في سنته الأولى. وعملت والدته شغالة تنظف المنازل. ولذلك قال «ما دامت أمي راكعة على ركبتيها تمسح البلاط، فهي ضحية الاستعمار مثل سواها». ليس جميع الفرنسيين طفوليين. أفادت فرنسا، لا الجزائر، من ألق كامو الأدبي، مع أن أعماله الأولى تدور في الجزائر، حيث ولد ونشأ. وكذلك روايته «الطاعون» التي حملت إليه «نوبل» الآداب. لكنه لم يهنأ بالجائزة طويلا، فما لبث أن قتل في حادث سيارة يقودها ناشره. لطالما كتب عن العبث فإذا العبث يأتيه وهو في عز مجده الأدبي.
في المكتبات الآن مؤلف آخر عن كامو، هذه المرة من وضع ابنته كاثرين. تفاخر الابنة بوسامة الأب وتملأ الكتاب بالصور شهادة على الحنين إلى الرجل الذي اشتهرت به الأماكن التي تردد عليها والصحف التي كتب افتتاحياتها من دون توقيع.
كان كامو سلسا وبسيطا بعكس سارتر. وكان أكثر صدقا، بينما كان سارتر «أكثر واقعية». وربما لعبت ظروف النشأة دورا أساسيا كما تفعل في حياة جميع الناس. فقد كان سارتر، كما يروي في «الكلمات»، من إحدى العائلات البورجوازية.
اقترب كامو من الشيوعيين بادئ الأمر، لكنه ابتعد سريعا، بعكس سارتر. والتزم المثل والقيم الجماعية البسيطة، كالحرية والمساواة، لكنه أعطاها بعدا إنسانيا ذا شجى وأثر. ويقول الناقد آدم كوبنك «إنه لم يكن جديا، بل حزينا». عام 1951 بدأ كامو في الابتعاد عن سارتر بسبب التصاق الأخير بالحزب الشيوعي، بينما بشر سارتر بالعنف قال كامو: «لا ضحايا ولا جلادون».
لا لجميع «اليائيات» قال كامو: «لا للنازية وللشيوعية وللفاشية وللستالينية. ولد الإنسان حرا ليس من أجل أن يصبح عبدا لطاغية – أو مجموعة طغاة – آيديولوجيين. ولعل روايته «أسطورة سيزيف» تلخص فلسفته البسيطة في الحياة: الإنسان مخلوق مكافح. يولد وتكون الصخرة قد ولدت قبله. وعليه أن يمضي العمر محاولا رفعها إلى رأس الجبل. كلما أخفق عليه أن يحاول من جديد. وإلا هوت وطحنته. 

سمير عطالله – الشرق الأوسط

23 فبراير 2012

" تعامل العرب مع السياسة على انها تحكّم واستغلال واستبداد. فالانسان ليس سوى عربة تحمل سيدها الى حيث يبقى. كل يوم يطل على الناس ويمننهم بوجوده، يخطب فيهم عن حقوقه، وأحقيته، وعما يجب ان يقدموا على مذبحه. يتفرس في وجوههم بعنف ثم يحدثهم عن تقصيرهم في العبادة، عن لؤمهم في عدم تقديم البخور وعذارى الهيكل. يؤنّبهم، يعنّفهم، يهددهم، ثم يذهب الى النوم استعدادا لليوم التالي. يتناسخ اليوم التالي في بلاد العرب، متشابها، مملا، ومليئا بالصراخ والفراغ والاستعلاء .
لا يتعلم العرب في بيوتهم وروضاتهم ومدارسهم، شيئا هو علم الحياة، يُعرَف أيضا، بالمسؤولية. لذلك يعملون للوصول الى السياسة على انها استباحة، وطريق الى الثروة والجاه، ومهنة سهلة تقوم على السفسطة، وتتكل على صغار المصفقين، وتغذى بحك الغرائز وتهييج المشاعر العمياء، وإلهاء الناس عن مصيرها باغراقها الدائم في اللغو والثرثرة والاجترار "

سمير عطا الله – النهار

5 يناير 2012

7 ديسمبر 2011

 

كانت تبدو مأخوذة بالتعقيدات والاحتمالات اللانهائية لخلق أشكال هندسية معقدة. فتقول : « أصبحت مدركة كيف كان المعلمون الأوائل يستطيعون خلط الشكل السداسي وتحويله إلى مضلع وتحويل المضلع إلى المثمن. وكنت أتساءل كيف يفعلون ذلك. فكانوا يقولون يحتوي كل منهم على دائرة، وكل ما تفعلينه هو تقسيم الدائرة » . 

الحياة عبر المرايا – مجلة المجلة

9 أغسطس 2011

25 يونيو 2011

23 أبريل 2011

"قرن من أجل لا شيء" كما سماه غسان تويني. سنوات العجف والبدد، وخيول داحس والغبراء. لم نمض العقود فقط في النزاعات الدموية، مصر والسودان، مصر واليمن، المغرب والجزائر، ليبيا والجميع، بل نقلنا القضية الفلسطينية من حرب على اسرائيل، الى حرب أهلية في الاردن، ثم حرب جماعية في لبنان، انتهت بوصول شارون الى بعبدا وخروج "الثورة" الى تونس، ومن ثم وصولها الى منزل صغير سري في اوسلو.
تدفع الامة اليوم ثمن قرون من غياب البديهيات التي نظمت حياة الامم واقامت نهوضها: القانون والحريات وضمان كفاية المواطن. كان حسني مبارك ينوي ان يماثل سابقيه: لا يخرج من الرئاسة الا الى الضريح. ذهبت، ماشياً، الى "منصة 6 اكتوبر" في مدينة نصر، لأرى المكان الذي اغتيل فيه انور السادات وهو يحتفل بذكرى العبور. لم أرَ سوى مدرجات جرداء علاها شيء من سواد العتق والاهمال. تأملت البلاد من جديد، وقلت في نفسي: اللعنة على البلاط وعلى الغبار، ذلك الغبار المذرّ في العمر وفي الريح، ويتكرر على ايقاع حزين في ديوان روبير غانم "ميتافيزيق". وماذا يأخذ الحاكم الى ضريحه سوى سمعة التاريخ وألق المناقب؟ بماذا يُذكر إلا بما تواضع الى شعبه وكبرت به دولته؟ "

افتتاحية النهار

23 أبريل 2011

" تقدمت الامم ونحن قعود. واذا قمنا فلكي نقاتل بعضنا البعض. دائماً محملين بأطنان الذرائع واكوام الخطب. ولا شيء في الارض يبرر السبات في الجهل والتخلّف. عندما سافرت الى أوروبا كان قد مضى 15 عاماً على نهاية الحرب التي دمرت القارة وافنت طاقاتها. وبعد عقد ونصف عقد لم يكن ثمة أمر لمدن الرماد وعداوات الموت: وصارت قارة الفاشية قارة الصفح. اعادت كل دولة احياء مؤسساتها، وأعادت كل مؤسسة احياء مسؤوليتها وقوانينها. وعندما ذهبت الشعوب تختار رجالها، دققت اولاً في سيرتهم الذاتية، اشتراكيين وشيوعيين ويمينيين. كونراد اديناور وشارل ديغول وموريس توريز وفيلي برانت وونستون تشرشل. وحتى ايطاليا، التي تجدد منذ عشرين عاماً لمغني السفن برلوسكوني تعقلت يومها وأحلّت السنيور امينتوري فاتفاني وأمثاله "

افتتاحية النهار

28 نوفمبر 2010

21 سبتمبر 2010

21 أغسطس 2010

21 أغسطس 2010

18 أغسطس 2010

" عندما يكون هناك حب كل شيء يتيسر "

مارسيل خليفة – الشرق الأوسط

18 أغسطس 2010

" المقاومة ليست فقط بالسلاح , وليس فقط تلك التي تهدف إلى تحرير الأرض . تحرير الإنسان أساس المقاومة . فـ المقاوم يسعى إلى تطوير الذائقة الجمالية . وتحرير الأرض يتطلب تحرير الإنسان مما يعانيه من مكبوتات واستلاب وحصار .. وكل هذا يتطلب العمل , ودور الفن هو خلق الحافز ومنح الإنسان بارقة أمل للتمسك بالحلم . فـ الحلم ليس فقط تحرير الأرض , بل الحلم كيف أتعاطى مع الآخر , كيف أرسم مستقبل أطفالي , كيف أحب حبيبي .. ليس الحدث العسكري فقط هو الذي يجب أن يكون الأبرز , هناك كثير من الأحداث التي تتفاعل في كياننا وتعطينا المجال للكتابة عنها في الشعر والموسيقى "

مارسيل خليفة – الشرق الأوسط

18 أغسطس 2010

" السياسة مفهوم عام للحياة , أي هي طريقة التفكير كإنسان .. كيف يعيش , كيف يُحصّل لقمة العيش , كيف يحب , كيف يعمل , كيف يحرر الأرض [..] إذ أن السياسة ليست موقفاً أحادياً وليس وظيفة للوزير ولنائب رئيس .. إلخ "

مارسيل خليفة – الشرق الأوسط

4 أغسطس 2010

" لا تضحك علي .. أريد أن نحضر أبي . أريد أن نخرجه من السجن الآن . أريد أبي حالا "

خالد الجعبري ( 4 سنوات ) – السفير

11 يوليو 2010

يقف الرجل العجوز على رصيف ميناء بيروت ، كأنه يمتلك المكان . أو كأنه تعب ، ويريد أن يساوم على بيعه . ليس لأي كان . وإنما بحار شاب ، يسلمه إياه متضمنا كل شيء : حر الصيف ، وموج الشتاء ، وذكريات المرافئ عندما يطلع عليها الصباح ، ومعه طيوره ، مليئا بضوضائه وفوضاه . ومعه المسافرون يستعدون للنزول ، وهم يتمطون كالقطط من بقايا السهر . مسافرون بلا أحلام . في السفر لا يحلم الناس . يقرأون برنامج الجولة التالية ، ثم يودعون في الذكريات برنامج الأمس . ويدعون السرور . والبعض يتظاهر بالسعادة ، وكأنها جزء من السعر المخفض .
يقف الرجل العجوز مستندا إلى جدار عجوز ، ومهمل . كلاهما يسند شيب الآخر وبقاياه وكرامته ورعبه من السقوط وحيدا ، لا ذكريات تلمه ولا شباب يهرع إليه . في الماضي كان يبحر ويعود ولا ينتبه إلى وجود هذا الجدار المبقع . كان يسافر إلى ميناء ، ويعود من موانئ كثيرة . يرى الوجوه ، ويسمع اللغات ، ويألف غربة الأمكنة حتى لا تعود غريبة ولا مفاجئة . ويألف العادات والطباع ، ويألف الرتابة ، ويألف النوم على سطح السفينة وخشبها المثقوب برذاذ الرياح المالحة ، أو جنون المطر .
البحار أحمد متقاعد الآن . لم يعد يحن إلى المرافئ الأخرى . لكن هذا الميناء ، هنا، هو الرصيف الذي دون عليه كل ذكرياته . حفر فوقه صورة المرأة التي أحبها ، ثم رمته إلى وحدته كما يرمي هو بقايا الخبز إلى السمك . صور الأصدقاء والملاحين و«الرياس» الذين ذهب كل منهم إلى مينائه ، في مكان ما . في نسيان ما .
هو ، أحب وحدته ، إلا من بضع تحيات هنا وهناك . تحية على بائع شراب السوس ، وتحية على المرأة التي لا تزال تكنس الدكاكين قبل وصول أصحابها . وتحية على الحمالين الذين يرثون آباءهم كما يرث روكفلر بنوك العائلة . الأكتاف الصامدة نفسها ، والحبال نفسها ، وتلك الانحناءة الأزلية التي تروي حكايات الحمالين من دون شعر أو موسيقى . ظهر وانحنى .
تصاغر عالمه . لم تعد دنياه البحر ، والمرافئ ، وأسراب النورس ، وضوضاء الوصول ، وقرقعة المراسي الثقيلة . لم يعد له سوى هذا الجدار المبقع . وله يدان معروقتان على ظاهرهما وعلى راحتيهما . مثل وجهه معروقتان . والسفن تمر بعيدة عنه . وحده العمر يمر ملتصقا به . هكذا يبدو من وجهه ومن ظاهر يديه ومن راحتيهما ، إذ يرفعهما بالتحية لبائع شراب السوس . لم تعد السفن تنتظره ولم يعد ينتظرها . وعندما تصفر علامة الوصول يعرف أنها لم تعد تقصده . لم يعد له سوى قليل من البر . البحر قد نساه .

سمير عطالله – الشرق الأوسط

23 مايو 2010

عندما أدخل إلى غرفتي تكون عتمة مُقبِضة . أكبس زرا بسيطا في الجدار فيصير نور شديد . أكبس زر الراديو فتأتي موسيقى تعزفها فرقة براغ . أكبس زرا آخر فتأتي صورة عن قطيع من الأفيال يرعى على أشجار كينيا . أمد يدي قرب وسادتي فإذا كتاب «الإخوة كارامازوف»، ملحمة الشر والخير والتهتك والحب والأبوة الفاسدة والربا والظلم والعدل، في بيت واحد .
أتأمل في هذه الأشياء الصغيرة التي لم نعد نلحظ وجودها، ثم أتأمل ثانية، فأرى أن الحياة الكبيرة عبارة عن أشياء صغيرة . وذرّات في الهواء . مذياع يحمل صوت فيروز وتلفزيون يحمل صورة يسرا وكتب زهيدة الثمن تطوي الملاحم البشرية، من هوميروس إلى نجيب محفوظ . نحكي ونكتب في القضايا الكبرى، وما حياتنا إلا بساطات صغيرة لم تعد في حساب أحد . لم ندرك أن إنارة المصباح في المساء مثل شروق الشمس بعد الفجر . كل واحد منا عنده شمسه وقمره في غرفته وفي نفسه . هكذا غنى الأخطل الصغير «اليومَ أصبحتُ، لا شمسي ولا قمري/ مَن ذا يغنّي على عودٍ بلا وترِ» .
أشياء صغيرة وتفاصيل، هي حياتنا . قنديل ومحطة قطار وشيء من أم كلثوم وخروج إلى الحديقة . ولا نعرف أن هذه هي السعادة، إلا في الغد . كل أمس نطويه يتحول إلى ذكرى سعيدة . بكل فاقته، بكل أقلاقه، بكل خيباته . لماذا؟ لأنه لم يعد هنا . لأن قلقه وخوفه ذهبا معه . الخوف الذي يزول هو الخوف من المستقبل . أن تخدعنا الأيام الآتية أكثر من مما خدعتنا الأيام الماضية . ثمة سكينة في الماضي ليست في الحاضر، ولا في المستقبل . لذلك نتقبل ماضينا لأننا لم نعد قادرين على تغيير شيء فيه : أمس والعصر الحجري مسافة واحدة! لكن المستقبل، نظل نأمل أن يترأف قليلا . أن يخفف مما حولنا من مخاوف ورعب وأناس يزرعون القتل والمجاعات والرهبة في حياة المسالمين والهانئين .
كم هي بسيطة حياتنا، عندما نتأملها . زر واحد ويذهب العتم، فهل من الضروري تصريح بان كي مون أو خطاب هوغو شافيز؟ شيء من سيد درويش وأسمهان، فلماذا النفاق المتكرر. ما أعظم هذه الغبطة التي لا تستغرق أكثر من كبسة زر من أجل أن تحضر إلينا في لحظات . فتاء أخضر ولبنة وزيت وقليل من الصعتر، ويكون شبع . فإذا أنت . السعادة ليست باهظة الثمن .
الباهظ هو عدم الاكتفاء، وهو الخوف على سكينتنا من سكاكين الآخرين . ليس أسهل من تأمين الهناءة للأفراد . لكننا للأسف، لم نعد أفرادا . نحن جماعات خائفة تدور حول نفسها . لا تشرقنا شرق وغربنا غراب . أغلى الأشياء في حياتنا مجانية : الهواء والضوء والنزهات وروائح الحقول وصوت الأنهر ومشهد البحر وأنغام سيد درويش وكتب القدامى والياسمينة المتدلية من حديقة الجيران . اهدأ . اهدأ . لا شيء يستحق الغضب .

سمير عطالله – الشرق الأوسط

12 مايو 2010

" فيروز تعني لي لبنان بالمنفى . لبنان الذي نحبه ونحلم به ، لكنه غير موجود اليوم . لبنان اليوم هو صراع الطوائف . كل الرياح تعاكس لبنان ،  بس الله كبير . عندما أسمع صوت فيروز أشعر أن كل ما أحبه في لبنان موجود في صوتها ، لبنان الخير ، السلام ، الأهل ، لبنان الأخضر ، الأحبة ، والراس المرفوع .. كله موجود في المؤسسة الرحبانية وصوت فيروز "

ماجدة الرومي – جريدة السفير

16 مارس 2010

6 مارس 2010

 الرياض مدينة غامضة
 " تحدث موكي عن الرياض لافتا إلى أكثر من سبب يجعل الرياض مدينة غامضة , الوصول إليها أمر في غاية الصعوبة، وينطبق هذا أيضا على باقي وسط الجزيرة العربية المعزول بفعل صحرائه التي لم يكن من الممكن اختراقها حتى سنوات قليلة.
لكن الشخصية الأسطورية للملك عبد العزيز القائد الكبير الذي نجح من خلال جهده الشخصي في أن يصنع في أقل من ثلاثين سنة مفاجأة جديدة، انطلقت من أرض الجزيرة نفسها وهزت العالم عندما أوصل الجزيرة العربية إلى الأضواء، وقرب إلى العالم الرياض موطن أسلافه ومسرح أعماله البطولية، هذه المدينة هي منذ سنة 1351هـ (1932م) عاصمة مملكة موحدة يسود فيها النظام وتغطي نحو ثلاثة أرباع شبه الجزيرة العربية.
وحتى سنوات قليلة ماضية لم يتمكن إلا عدد قليل من الأوروبيين الوصول إلى الرياض والإقامة فيها عدة أيام، وكان معظمهم من المستكشفين البريطانيين، وكما هو متوقع فإن بريطانيا التي تسيطر على بحرين يحدان شبه الجزيرة من الشرق والغرب –  سوف تبدي أكثر من أي دولة أخرى اهتماما خاصا بمتابعة التطورات السياسية المحلية، وندين لفيلبي – الذي خلف الكابتن شكسبير الذي قتل في إحدى المناوشات بين الملك عبد العزيز وبين أعدائه المتحالفين مع الأتراك، بوصفه مستشارا لسلطان نجد آنذاك – بأول وصف كامل للرياض، والذي يعود إلى أخصب فترات نشاطه العلمي والاستكشافي، أي نهاية الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م).
تقدمت الرياض كثيرا في وقت قصير من معقل لسلالة ملكية فخورة بنفسها تبسط سيطرتها على المرتفعات الوسطى لنجد فقط، إلى عاصمة لمملكة مستقلة تغطي تقريبا كل الجزيرة العربية، لتكون على مستوى الدور الجديد، وهذا ما يمثله مجمَّع المباني الملكية الجديدة رمز ازدهارها.
في وقت قريب خصوصا بعد سنوات (1928 – 1930م) عند إدخال السيارات إلى البلاد، وحتى بداية ظهور النقل الجوي، ظل الغربيون يزورون الرياض دائما: دبلوماسيون وصناعيون، وخصوصا الأميركيين، وبعض الشخصيات السياسية، وعلى الرغم من ذلك فإن أكثر وصف تفصيلي هو ما كتبه فيلبي، بينما ظلت المادة التوثيقية المصورة نادرة نسبة إلى الصعوبات التي واجهها أولئك الذين حاولوا التقاط الصور، وحسب معرفة كاتب هذه السطور، لم تنشر مثل هذه المادة في سياق علمي وتوثيقي.
تقع مدينة الرياض في منخفض طويل يمتد من الشمال إلى الجنوب، تشكل فيه المياه الجارية من جبال الجبيل مجرى الشمسية، وجنوب المدينة مباشرة يرتبط مجرى الشمسية بوادي حنيفة الذي يستقبل معظم المياه من جبل طويق، وهو جبل ذو سطح مستوٍ عريض، وتشكل منحدراته الجانب الأيمن من منخفض الرياض، ويحتوي هذا الحوض الطويل على واحة شمالية قامت عليها مدينة الرياض وواحة ثانية ضخمة هي منفوحة، وهي غنية ببساتين النخيل وحدائق ومساحات صغيرة تزرع فيها الحبوب والخضراوات والفواكه (اسم الرياض يعني «الحدائق»)، وغرب هاتين الواحتين، وبمحاذاة أحد الأودية الذي يمتلئ موسميا بمياه الأمطار (الباطن)، توجد عدة واحات صغيرة، وتضم واحدة من هذه الواحات التي تقع على بعد ستة كيلومترات من الرياض، القصر الملكي الصيفي المعروف باسم «البديعة».
كل تجويف وكل متر مربع يمكن أن يوجد فيه الماء من الآبار أصبح مغطى بزراعة كثيفة دائمة، إذ إن كل المنطقة – بما في ذلك القطاع الشمالي من وادي حنيفة بقراه وأراضيه الصغيرة – مملوءة بالمساحات الخضراء مفصولة بعضها عن بعض بالصخور الجرداء لجبل طويق، وتشكل أرخبيلا من الجزر الخضراء في بحر من الصخور الصحراوية بنية اللون.
تقوم واحة الرياض على مساحة بعرض كيلومترين وطول 4.5 كم، وقد بُنيت المدينة في الجزء الشمالي (من الوادي)، والمباني الأنيقة مفصولة بعضها عن بعض بحدائق خاصة معتنى بها جيدا حتى الحدود مع الصحراء في الجانب الشمالي، وخارج الواحة في الصحراء نفسها، يرتفع مجمع المباني المهيب الذي يشكل مع القصر الملكي الجديد «المربع» وهذه هي العلامة الأولى للحياة التي يقابلها المرء عند دخول الرياض من الخليج وأيضا من مكة.
بنى الملك عبد العزيز قصور المربع في العصر الذهبي لحكمه بعد فترة قصيرة من ضم الحجاز سنة 1342 – 1344هـ (1924 – 1925م). إن السلام والاستقرار اللذين وفرهما الملك عبد العزيز لوسط الجزيرة العربية والحجاز بعد قرون من الصراع الدامي وغياب القانون أحدثا صعودا سريعا وغير متوقع في عدد الحجاج القادمين إلى مكة والمدينة، حيث كان الحجاج في ذلك الوقت مصدر البلاد الرئيس من الإيرادات، وفي ما بين سنتي 1346 و1351 (1927 و1932م) قام آلاف من العمال والحرفيين ببناء القصور والمنازل الجديدة، وعن طريق الشاحنات التي كانت جديدة عندئذ في الصحاري العربية، وصلت إلى الرياض مواد مثل الخشب والمنسوجات والسجاد والأثاث من كل الأصناف من أنحاء المملكة ومن بلدان ما وراء البحار، وقد اعتمد الملك عبد العزيز – المتمسك بأصالته – على العمال المحليين، ورفض محاكاة النظم المعمارية الأجنبية، ولذلك فقد احتفظت الرياض بشخصيتها العربية الأصيلة في أقرب مبانيها عهدا وأكثرها حداثة.
كانت مواد البناء هي المواد المستخدمة في أي مكان آخر في نجد وكذلك الأسلوب، جدران سميكة من الطين المخلوط بقش مهروس تقوم على قاعدة من الحجر ربعت ودفنت على عمق عدة أمتار داخل الأرض أساسا قويا، وتوجد عوارض خشبية تقوي الجزء الداخلي من هذه الجدران أفقيا كل 60 أو 70 سنتيمترا، والعناصر الإنشائية أيضا من الخشب وكذلك سقوف الحجرات وأرضياتها مصنوعة من ألواح الخشب المرن مرصوصة بعضها بجانب بعض ومغطاة بفرش من القش، وتأخذ الزخارف شكل تصميمات هندسية بسيطة محفورة على الجدران المبيضة التي تظهر بخلفية صفراء، وقد تصل هذه الإنشاءات البسيطة إلى ثلاثة طوابق ونادرا ما تكون أربعة ويتفاوت مظهرها بين القوة والفخامة والرقة والأناقة.
والزخارف الخارجية المستخدمة غالبا هي القنوات على شكل أنابيب خشبية طويلة لتصريف مياه الأمطار بعيدا عن المبنى، والأمطار التي تحتاج إليها تلك المنطقة الصحراوية تشكل أيضا خطرا حقيقيا على المباني التي تميل إلى الذوبان تحت الانهمار الشديد للأمطار شبه الاستوائية، والتي هي لحسن الحظ غير مألوفة في نجد، ومن المثير جدا مشاهدة وصول فرق العمال بعد انتهاء هطول الأمطار وهم يقومون بفحص الجدران والمصاطب وإصلاح التآكل والأضرار التي سببتها مياه الأمطار بطين جديد.
يوجد جدار متصل مهيب بسماكة عدة أمتار وبمتوسط ارتفاع عشرة أمتار على الأقل، يحيط بمنطقة مستطيلة بطولة 1200 متر وعرض 400 متر، وداخل هذه المنطقة توجد قصور الملك وقصور عائلته وأجنحة الإقامة الخاصة بحاشيته الكبيرة، وتشتمل على غرف الاحتفالات والاجتماعات والمستودعات والثكنات وكل الخدمات المنزلية، بما في ذلك مولد الكهرباء.
وتنتصب أبراج المراقبة بارتفاع 15 – 20 مترا، بناء على موقعها، وتوجد على مسافات مناسبة في السور والمحيط، لتجعله مثل التاج على الجانبين الشمالي والغربي ويواجهان الصحراء المفتوحة، وهناك أبراج أخرى، أكثر انخفاضا وصلابة، تدافع عن المداخل.
عندما يصل القادم من جهة الشمال الشرقي فإن أول ما يراه أبراج المراقبة الشمالية التي تواجه السهل الصحراوي العاري، وهو منظر مؤثر، ويطل الجانب الشرقي على ميدان كبير حيث توجد مجموعات من البدو يحملون عرائض وينتظرون بصبر للدخول على ملكهم، أثوابهم لا تختلف كثيرا عن أثواب أسلافهم قبل ألف أو ألفي سنة، وقد بنى لهم الملك عبد العزيز ولمطاياهم حوضا طويلا مبطنا بالإسمنت يملأ بالماء باستخدام مضخة تعمل على الطاقة الكهربائية لتوفير الماء بسهولة.
وتوجد غرف للضيوف خارج الجدار المحيط بمجمع القصر، وهي مفصولة عن الجدار الجنوبي بممر ضيق، وتعرف بقصر الضيوف، يتألف هذا القصر من ثلاثة طوابق، وهو مجهز بأبراج متماثلة، وباحتين داخليتين كبيرتين، وعشرات من الغرف المؤثثة تأثيثا فاخرا مغطاة بسجاد رائع. ينزل هنا ضيوف الملك عبد العزيز، بما في ذلك الأجانب الزائرون وغير الزائرين والوزراء والشيوخ والرسميون الآخرون مع موظفيهم.
والمباني الداخلية للقصر الملكي كما هو متوقع، مغلقة أمام الغرباء، وخصوصا أمام الأجانب، سوى في حالات الاحتفالات أو المقابلات الملكية الرسمية، حينئذ يؤخذ الضيف عبر سلسلة من السلالم والممرات مرورا بحرص القصر بزيّهم التقليدي الموحد الرائع، إلى قاعة الاستقبالات الضخمة المتناسقة والمضاءة بنوافذ عريضة محمية بشبك من الحديد. وعندما يتاح للمرء الدخول إلى مجمع القصر، فإنه يعجب بالبراعة، وبالخيال الواسع الذي أبداه المعماريون في ابتكار مثل تلك الزخارف الغريبة في الساحات والسلالم والأبواب والمصاطب المرتبة بحيث تربك المرء أول وهلة، والصفة المميزة الرتيبة لطراز المبنى ولأساليب البناء ولعناصر الديكور محيدة بنشر الكتل وبانعكاسات الضوء والظلال.
إن التأثير الكلي لا يُنسى، وجوّ التباين الذي يزداد بفعل خليط من الأزياء الموحدة الرائعة التي يرتديها حراس القصر من ناحية، والملابس المتجهمة والأنيقة التي يرتديها كبار السن والشيوخ والاحتفالات البسيطة من ناحية أخرى.
تمر السيارات التي تزور القصر من خلال بوابة ضيقة يحميها برج ضخم في الركن الواقع إلى الجنوب الشرقي. ويعلو هذا البرج – مثلما هو الحال في كل النقاط المرتفعة في المباني – نوع من القوائم التي تتدلى من كل منها لمبة إضاءة كهربية عارية. وخلال الليل تضاء كل باحات قصر المربع على نحو رائع لمساعدة الدوريات الليلية. ويتذكر الملك عبد العزيز كيف أنه بأربعين رجلا تقريبا وتحت جنح الليل استعاد قصر عائلته في وسط الرياض (الصحيح 63 رجلا)، وهو حريص على تجنب تكرار ذلك الحدث ضده. ويتجاوز عدد حراس القصر المختارين بعناية خمسمائة رجل.
تفوق معماريو القصر وبُناته ليس فقط في الإنشاءات العسكرية والدفاعية، ولكن أعطوا أيضا اهتماما كبيرا ومهارة لزخرفة الداخل. وهكذا يمكن أن نعد واحدة من ساحات قصر الضيوف مثالا ممتازا من نوعها، ويعطي انسجام أجزائها تأثيرا يكون في البداية متزامنا ولكنه هادئ ومتوازن، وتضفي فكرة الفتحات الثلاثية المتكررة بين أعمدة الأروقة في حافة السقف اللطف والأناقة. وإذا ما وضع المرء في الحسبان بساطة الوسائل التي استخدمت، وصعوبات البناء بالطين والجبس والخشب، في مثل تلك المباني العالية والرقيقة، فإنه يزداد تقديرا للمعماريين العرب. ويزداد ذلك عندما يلاحظ المرء عن قرب أنه لا يوجد جدار واحد رأسي تماما أو باب أو نافذة مستطيلة تماما ولا زوج متماثل من الأقواس، هذا الاختلاف وعدم التماثل ينطبق أكثر على الزخارف الداخلية وعلى نظام تمديد الأسلاك الكهربائية الذي يتألف من أسلاك ممددة على الجدران.
والغرف مزينة ببساطة بدوية تقليدية حيث لا وجود لأي أثاث إلا ما تحتويه خيمة بدوية، والأرضيات مفروشة بحصائر بسيطة من جريد النخل مغطاة بسجاد فارسي رائع، وهو في العادة ذو قيمة كبيرة ويوضع السجاد واحدة فوق الأخرى بحيث لا يستطيع الضيف حقيقة أن يقدر جمال كل واحدة منها لأنها موزعة بالآلاف في كل مكان من القصور الملكية، فهي تشكل جزءا من ثروة الملك عبد العزيز المثيرة للإعجاب.
وقطع الأثاث الأخرى غالبا ما تتألف من صفائح البترول الفارغة المغطاة بمواد ملونة كطاولات صغيرة لصينيات الشاي وتستخدم مساند للاتكاء عليها، والجلوس عادة يكون على السجاد مباشرة. بعض الغرف فيها كراسي بمساند للذارعين بدلا من صفائح البترول المعتادة. أما في قاعات الاستقبال – بما فيها تلك التي يقابل فيها الملك شخصيا الجمهور – فهنالك الكراسي الأوروبية التي اصطفت على طول الجدران تحت مرايا جدارية كبيرة مزينة بكتابات عديدة وتصميمات زهرية بحيث لا يمكن استخدامها كمرايا، وتصبح كأشياء للزينة. وتوجد في الغالب ساعات بندولية من القرن التاسع عشر، وهي ذات قيمة كبيرة في منطقة تعد الساعة فيها نوعا من الرفاهية، ويجتمع وجود الغبار وتكرار حدوث العواصف الرملية إلى تعطيل عمل ساعة الجيب أو ساعة اليد، ولا يوجد أي نوع آخر من الأثاث، كما لا تستطيع الأرضيات على الأرجح، تحمل وزنها. وتستبدل في الحياة المنزلية البسيطة في نجد، بخزانات الملابس كُوى (تجاويف) في الجدران أو بصناديق لحفظ ممتلكات النساء، والطاولات غير ضرورية، ما عدا الأجانب الذين توفر لهم في قصر الضيوف، لأن الصواني الضخمة التي يأكل عليها المرء مع الجماعة، والتي توضع على السجاجيد ذات ارتفاع كافٍ، أما قطع الأثاث التي تستخدم لأغراض جمالية كالمرايا مثلا فهي محرمة، حسب التقليد الإسلامي المتبع في نجد (ليس صحيحا ما ذهب إليه المؤلف)، وقد تم إدخال بندين فقط من بنود التقنية الحديثة: الإضاءة الكهربية المنتشرة جدا، ويتم إنتاجها بواسطة المولدات التي تعمل على الزيت أو الكاز (الكيروسين)، والتليفون، وتمارس النظافة الشخصية بوسيلة الدش البدائي المكون من أباريق نحاسية ضخمة لتجميع الماء للاغتسال، وأباريق من النحاس للوضوء والتدابير الصحية في الحد الأدنى "

الشرق الأوسط