"عندما عاد فيصل من القاهرة إلى جدة أوائل خريف 1964م علم أن أنصاره أجروا محادثات متوترة مع الملك لإقناعه بالتنازل عن العرش. فقال في معرض تقييمه لتصرفات أخيه: أُعالج جرحاً فينفتق جرح آخر. وفي 24 أكتوبر غادر فيصل جدة متوجهاً إلى الرياض عن طريق البر من دون استعجال، تاركاً الأحداث تتطور من دون أن يتدخل فيها. عاد الأمراء إلى العاصمة بعد لقائهم معه في جدة لينهوا المهمة ويضعوا فيصل أمام الأمر الواقع.
عندما كان الأمراء والعلماء مجتمعين للتشاور في الرياض، سلك فيصل الطريق من جدة إلى العاصمة وطوله 1300 كيلومتر على مهل ومن دون تسرع. فالتقى وجهاء القبائل وأوضح لهم الموقف، مثلما فعل والده عبدالعزيز في حينه، وحدثهم عن خططه ومشاريعه وعن خلافه مع الملك سعود، ووزع عليهم الهدايا. وكان واضحاً له أن القبائل تقف إلى جانبه.
كانت الرياض هادئة، لأن الجميع مهيأون نفسياً للتغييرات.
عبدالله بن عبدالرحمن، عم الأمير فيصل وصديقه منذ الطفولة، بحث قضية خلع الملك مع أبرز الشيوخ والعلماء، وفهم أنهم يشاطرونه فكرته، فيما كان هو يؤدي الدور الرئيس في المفاوضات مع سعود أيضاً.
وفي 29 أكتوبر 1964م اجتمع نحو مئة من كبار الأمراء والعلماء في فندق "الصحراء" أو "صحارى بالاس" قرب مطار الرياض. في الزمن الحاضر، هذا الفندق محاط بالفيلات والمباني العالية الكثيرة. أما في تلك الفترة فكان عبارة عن بناية مربعة بلون المغرة تنتصب وحيدة في الصحراء.
وقبل ذلك بقليل التقى كبار الأمراء في منزل خالد بن عبدالعزيز، الأخ غير الشقيق للأمير فيصل وصديقه الحميم، وقرروا إرغام سعود على التخلي عن العرش. وكان كبار العلماء أيضاً مستعدين لتنصيب فيصل ملكاً على البلاد.
وقد أعدّ العلماء الفتوى اللازمة، فيما توجه وفد الأمراء وأهل الحل والعقد لمقابلة الأمير فيصل.
كتب دوغوري في وصف هذا اللقاء يقول:
عرف فيصل بنبأ الفتوى مساء 29 أكتوبر أثناء التقائه بشيوخ القبائل. وبعد أن قرأ نص الفتوى أذّن المؤذن داعياً إلى صلاة العصر، فمضى فيصل ليصلي من دون أن ينبس ببنت شفة. وعاد بعد الصلاة صامتاً أيضاً، إلى أن طالبه رسل الأمراء والعلماء بالجواب. فقال: انتظروا الجواب حتى صلاة المغرب. وعندما حان الموعد طالبوه بالجواب من جديد. فقال: من حقي أن أسألكم كيف تنوون تنفيذ قراركم. فأجابوه: نعلن أنك أنت الملك. فسأل فيصل في شبه ابتسامة: وماذا بشأن الملك الحالي؟ فلم يجيبوا عن السؤال. فواصل فيصل كلامه: نحن في بيت عبدالعزيز لا نسقط ملكاً إلا بعد فشل كل محاولات الإقناع، فهل استنفدتم كل إمكانيات الإقناع؟ فهتف أعضاء الوفد: والله أنت ملك حقيقي.
عاد الوفد إلى الرياض ومضى إلى قصر "الناصرية" لإقناع الملك بالتنازل عن العرش. وقالوا له إن بوسعه أن يختار أي طريقة يرغب فيها للتخلي عن الحكم. حدثوه عن موقف فيصل الرافض للخلع، وحذروه قبل أن ينصرفوا بأنهم يأملون تسلّم الجواب بحلول صباح الثاني من نوفمبر. فإذا امتنع عن التنازل فإن الأمراء والعلماء سينفذون قرارهم بحقه.
آنذاك وصل فيصل إلى الخرج التي تبعد 70 كيلومتر عن الرياض، واستقبل هنا وفداً حدثه عما جرى أثناء اللقاء مع الملك، فطلب منهم أن يواصلوا محاولات اقناع أخيه وتحذيره، لأنه هو، فيصل، لا يريد القيام بأي خطوة تسيء إلى سمعة آل سعود والعرش السعودي، اللهم إذا تعرضا فعلاً لخطر عظيم. وأصرّ أعضاء الوفد على أن مهمتهم انتهت، وبات على الأمراء وفيصل نفسه أن ينفذوا الفتوى.
في 31 أكتوبر التقى كبار الأمراء الملك سعود من جديد، ولكن من دون جدوى. وفي اليوم ذاته وصل فيصل إلى الرياض.
استدعى فيصل أخاه خالد، نائب رئيس الوزراء، إلى القصر وبحث معه ومع باقي الأمراء خطة العمل اللاحق. ظل الموقف على حاله في 1 نوفمبر.
كان الجميع يدركون ضرورة وضع حد لازدواجية السلطة بنحو حازم. "حرام أن نضحى بالبلاد". في مثل هذه العبارة يكمن منطق تصرفاتهم.
وفي الجلسة المشتركة لمجلس الوزراء ومجلس الشورى برئاسة خالد بن عبدالعزيز قرر الحاضرون بالإجماع مبايعة فيصل بالمُلك والامامة.
كتب منير العجلاني يقول:
حمل قرار مجلسي الوزراء والشورى إلى فيصل، وفي حضور عدد من أكابر العلماء والأمراء، فوقف المفتي الأكبر للمملكة ورئيس قضائها معلناً البيعة لجلالة الملك فيصل باتفاق رجال الحل والعقد ومن ورائهم الشعب كله. قال سماحته موجهاً الخطاب إلى فيصل:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وبعد، فقد حصل الاتفاق والاجماع من أمراء سائر العائلة المكرمة السعودية ومن طلبة العلم على خلع سعود بن عبدالعزيز، وهو الآن مخلوع، وسيبايع فيصل الآن، نسأله تعالى أن يوفق فيصل لما يحبه، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
ثم تقدم سماحته فبايع جلالة الملك المعظم قائلاً:
لقد بايعتك على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى إقامة العدل والإنصاف والقيام بأمور الإمامة وأداء حقوقها، المعروفة والمعلومة، وفقك الله لما يحبه ويرضاه.
فأجاب صاحب الجلالة:
وأنا من جانبي أبايعكم على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وتحكيم الشريعة، وأن أكون خادماً للشرع في جميع الأمور، وأن أسعى بكل مافي إمكاني لحفظ كيان هذا البلد وخدمة مواطنيه فيما يصلح دينهم ودنياهم […].
وتوالى الحاضرون من الأمراء والوزراء والعلماء والأعيان بمبايعة جلالته".

الملك فيصل شخصيته وعصره وإيمانه

لا يمكن إضافة تعليقات.