12 أبريل 2010
" – لازلت أحاول فهم سر الأشياء الجميلة . أمر صعب أليس كذلك ؟
– السر هو أن تعرفي .. دون ضرورة تفسير السبب ! يجب أن تتذوقي , هذا ليس نصف المعركة , وإنما الحرب بأكملها "
An Education
" – لازلت أحاول فهم سر الأشياء الجميلة . أمر صعب أليس كذلك ؟
– السر هو أن تعرفي .. دون ضرورة تفسير السبب ! يجب أن تتذوقي , هذا ليس نصف المعركة , وإنما الحرب بأكملها "
An Education
" كنت أحتقر تعاسة الذين لا يجرؤون على الاقتراب من السعادة الشاهقة , الباهظة , التي لا تملك للسطو عليها إلا لحظة , فالحبّ الكبير يُختبر في لحظة ضياعه القصوى . تلك اللحظة التي تصنع مفخرة كبار العشاق الذين يأتون عندما نيأس من مجيئهم , ويخطفون سائق سيارة ليلحقوا بطائرة ويشتروا آخر مكان في رحلة , ليحجزوا للمصادفة مقعداً جوار من يحبون . الرائعون الذين يخطفون قدرك بالسرعة التي سطوا بها ذات يوم على قطار عمرك . كنت أريد حباً يأتي دقائق قبل اقلاع الطائرة فيغيّر مسار رحلتي , أو يحجز له مكاناً جواري . لكنها تركتني معه .. ومضت "
عابر سرير
" لا تصدق أن الأشياء مضرّة بالصحة . وحدهم الأشخاص مضرّون . وقد يلحقون بك من الأذى أكثر مما تلحق بك الأشياء , التي تصرّ وزارة الصحة على تحذيرك من تعاطيها . ولذا كلّما تقدم بي العمر , تعلمت أن استعيض عن الناس بالأشياء , أن أحيط نفسي بالموسيقى والكتب واللوحات والنبيذ الجيّد , فهي على الأقل لا تكيد لك , ولا تغدر بك . بل إنها واضحة في تعاملها معك . والأهم من هذا أنها لا تنافقك ولا تهينك ولا يعنيها أن تكون زبالاً أو جنرالاً "
عابر سرير
" التغابي هو بعض ما اكتسبته من اليتم . عندما تعيش يتيماً , تتكفل الحياة بتعليمك أشياء مختلفة عن غيرك من الصغار . تعلّمك الدونية , لأن أول شيء تدركه هو أنك أقل شأناً من سواك , وأنه لا أحد يردّ عنك ضربات الآخرين , ومن بعدهم ضربات الحياة . أنت في مهبّ القدر وحدك كصفصافة , وعليك أن تدافع عن نفسك بالتغابي , عندما يستقوي عليك أطفال آخرون , فتتظاهر بأنك لم تسمع .. وأنك لم تفهم .. لأنك تدري أن لهم آباء يدافعون عنهم ولا أب لك "
عابر سرير
" الفاجعة .. أن تتخلى الأشياء عنك , لأنك لم تمتلك شجاعة التخلي عنها . عليك ألا تتفادى خساراتك . فأنت لا تغتني بأشياء ما لم تفقد أخرى . إنه فنّ تقدير الخسائر التي لابدّ منها . ولذا , أنا كصديقي الذي كان يردد " لا متاع لي سوى خساراتي . أمّا أرباحي فسقط متاع " , أؤثر الخسارات الكبيرة على المكاسب الصغيرة . أحب المجد الضائع مرّة واحدة "
عابر سرير
" الناس تحسدك دائماً على شيء لا يستحق الحسد , لأن متاعهم هو سقط متاعك . حتى على الغربة يحسدونك , كأنما التشرد مكسب وعليك أن تدفع ضريبته نقداً وحقداً , وأنا رجل يحبّ أن يدفع ليخسر صديقاً . يعنيني كثيراً أن أختبر الناس وأعرف كم أساوي في بورصة نخاستهم العاطفية . البعض تبدو لك صداقته ثمينة وهو جاهز ليتخلى عنك مقابل 500 فرنك يكسبها من مقال يشتمك فيه , وآخر يستدين منك مبلغاً لا يحتاجه وإنما يغتبط لحرمانك منه , وآخر أصبح عدوّك لفرط ما أحسنت إليه " ثمة خدمات كبيرة إلى الحدّ الذي لا يمكن الرد عليها بغير نكران الجميل " ولذا لابدّ أن تعذر من تنكر لك , ماذا تستطيع ضد النفس البشرية ؟
– وكيف تعيش بدون أصدقاء ؟
– لا حاجة لي إليهم .. أصبح همّي العثور على أعداء كبار أكبر بهم . تلك الضفادع الصغيرة التي تنقنق تحت نافذتك وتستدرجك إلى منازلتها في مستنقع , أصغر من أن تكون صالحة للعداوة . لكنّها تشوّش عليك وتمنعك من العمل .. وتعكّر عليك حياتك . إنه زمن حقير , حتى قامات الأعداء تقزمت , وهذا في حد ذاته مأساة بالنسبة لرجل مثلي حارب لثلاث سنوات جيوش فرنسا في الجبال .. كيف تريدني أن أنازل اليوم ضآلة يترفّع سيفك عن منازلتها ؟ "
عابر سرير
" لتكتب , لا يكفي أن يهديك أحد دفتراً وأقلاماً , بل لابد أن يؤذيك أحد إلى حدّ الكتابة . وماكنت لأستطيع كتابة هذا الكتاب , لولا أنها زودتني بالحقد اللازم للكتابة . فنحن لا نكتب كتاباً من أجل أحد , بل ضدّه "
عابر سرير
" عكس العشاق الذين يستميتون دفاعاً عن مواقعهم ومكاسبهم العاطفية , عندما أغار أنسحب , وأترك لمن أحب فرصة اختياري من جديد . كنت رجل الخسارات الإختيارية بإمتياز . ما كان لي أن أتقبل فكرة أن تهجرني امرأة إلى رجل آخر . أنا الذي لم أتقبل فكرة أن يكون أحد قد سبقني إليها . كيف لي أن أطمئن إلى امرأة تزرع داخلي مع كل كلمة حقولاً من الشكّ .
أذكر يوم سألتني لأول مرة إن كنت أحبها , أجبتها :
– لا أدري .. ما أدريه أنني أخافك .
في الواقع , كنت أخاف التيه الذي سيلي حبّها , فمثلها لا يمكن لرجل أن يحب بعدها دون أن يقاصص نفسه بها . يومها , فكرت أنني لا يمكن أن أواجه الخوف منها إلا بالإجهاز عليها هجراً . وكان ثمة احتمال آخر : اعتماد طريقتها في القتل الرحيم داخل كتاب جميل . فقد حدث أن أهدتني ما يغري بالكتابة . أشياء انتقتها بحرص أم على اختيار اللوازم المدرسية لطفلها يوم دخوله الأول إلى المدرسة "
عابر سرير
" لتُشفى من حالة عشقيّة , يلزمك رفاة حبّ , لا تمثالاً لحبيب تواصل تلميعه بعد الفراق , مصرًّا على ذيّاك البريق الذي انخطفت به يوماً . يلزمك قبر ورخام وشجاعة لدفن من كان أقرب الناس إليك "
عابر سرير
" في ذلك الزمان القديم البعيد السعيد كانت المعاني والحركة واحدة . في عصور الجنة تلك كانت الاغراض التي نملأ بها بيوتنا , وخيالاتنا حول تلك الاشياء واحدة دائماً . في سنوات السعادة تلك كان الجميع يعرفون أن الأشياء والأدوات والخناجر والأقلام التي نمسكها لم تكن استطالات أجسادنا فقط , بل استطالات أرواحنا أيضاً . حين يقول الشاعر " شجرة " في ذلك الزمان تتجلى في أذهان الجميع شجرة , ويعرف الجميع أنه لا ضرورة لبذل الجهد لفترة طويلة لعدّ الأوراق والأغصان لكي يستنتج بأن الكلمات والشجرة في القصيدة يمكن أن تشير إلى الشجرة والشيء الذي في داخل الحياة والحديقة . كان الجميع يعرفون بأنه حين تكون الأشياء التي يحكى عنها بالكلمات متقاربة , فإن الكلمات تتداخل فيما بينها حين يهبط الضباب على القرية الشبحية الواقعة بين الجبال . كان المستيقظون في ذلك الصباح الضبابي لا يستطيعون الفصل بين الحلم والواقع , ومابين الشعر والحياة , ومابين الأسماء والناس . كانت الحياة والحكايات واقعية في ذلك الزمن إلى حد أن أحداً لا يخطر بباله السؤال عن أصل الحكاية وأصل الحياة . كانت تعاش الأحلام , وتفسّر الحياة . كانت وجوه الناس في ذلك الوقت ذات معنى حتى إن الذين لايعرفون الألف من العصا , والخمسة من الطمسة يقرؤون بوضوح حروف المعاني الواضحة التي على وجوهنا "
الكتاب الأسود
" بعض الأشياء لا نتذكرها فقط , أما بعض الأشياء فلا نتذكر أننا لا نتذكرها , علينا أن نجدها من جديد "
الكتاب الأسود
" في منتصف إحدى الليالي انتبهت إلى أن الندم سيسيئ إلى ما تبقى من حياتي , فخطرت ببالي هذه الفكرة الغريبة : لم أستطع أن أكون نفسي في النصف الأول من حياتي لأنني أردت أن أكون أخرى . وسأقضي النصف الآخر باعتباري أخرى لأنني نادمة على السنوات التي لم أستطع أن أكون فيها نفسي . كانت تلك الفكرة مضحكة إلى حد أنها تحولت فجأة إلى قدر لم أرغب بالوقوف عنده كثيراً , وبمشاركة الجميع التعاسة والخوف الذي أراه ماضيّ ومستقبلي . عرفتُ بأن أحداً لا يمكنه أن يكون نفسه كمعلومة أكيدة لن تنسى أبداً "
الكتاب الأسود
" كانت الحياة مليئة بالهموم والآلام , وحين ينتهي همٌّ يأتي واحد جديد , وعندما يُعتاد على الجديد يضغط الأجد . الآلام العميقة ماتجعل وجوهنا متشابهة . لو أتت تلك الآلام فجأة لعرفنا أنها على الطريق منذ زمن , وحضرنا أنفسنا لها , ولكن على الرغم من هذا يحلّ الهم علينا مثل الكابوس وحينئذ يسيطر علينا نوع من الوحدة , وحدة يائسة لا يستغنى عنها , وسنسعد عندما نعتقد أن هنالك من يقاسمنا هذه الهموم "
الكتاب الأسود
" صرت أعرف أن الذين يقولون إن كل إنسان يخلق منه اثنان مخطئون . لا أحد يشبه أحد . كل فكرة هي فكرة فتاتنا لأنها تناسبها . كل نجمة هي وحيدة في السماء , وهي نجمة مسكينة لا شبيه لها "
الكتاب الأسود
" إذا بدأت حديقة الذاكرة بالجفاف فإن الإنسان يرتجف شفقة على آخر أشجارها وورودها . ويسقيها من الصباح حتى المساء ويداعبها لكي لا تجف وتضيع : أتذكر . أتذكر كيلا أنسى "
الكتاب الأسود
" – سأسألك سؤالاً آخر إذن , ما الذي تريده ؟
– ماذا أريد ؟ هل تريدين الحقيقة ؟ أظنها موجودة هناك في فيلم ( الفندق العظيم ) , لقد فكرت طويلاً بالأسباب التي تدفعني لمشاهدة الفيلم , وأظنها ثلاثة أسباب , الأول مايقوله الكونت المزيف للبطلة ( ليس لدي شخصية على الإطلاق , عندما كنت صغيراً علّموني ركوب الخيل والتصرف بنبل , ثم في المدرسة علموني الصلاة والكذب , ثم في الحرب علموني القتل والاختباء ) صحيح أني لم أقتل , ولكني أختبئ .
– ولكنك لست كذلك .
– الذي تعرفينه إذن ويحمل اسمي واحد غيري .
– لن أناقشك , وما السبب الثاني ؟
– ما يقوله الكونت المزيف أيضاً للبطلة
– ماذا بالتحديد ؟
– ( أحب أن أكون في غرفتك لأتنفس الهواء الذي تتنفسينه ) هكذا أفكر وأنا معكِ دائماً .
– صحيح !! والسبب الثالث .
– كنت أتوقع أن تقولي أكثر من كلمة واحدة حول السبب الثاني , ولكن سأقول لك السبب الثالث , إنه النهاية .
– هذا ما لا أستطيع أن أتحدث فيه , فأنت الأستاذ . ولكن ما الذي تقصده ؟
– نهاية الفيلم لا نهاية لها , هذا ما اكتشفته أخيراً , أظن أن هذه أعظم النهايات , لأنها نهاية وبداية في الوقت نفسه .
– لم أفهم !
– بعد مقتل الكونت المزيف يقول الدكتور المشّوه ( ماذا تفعل في الفندق , تأكل , تنام , وتتكاسل وتتودد للنساء قليلاً , وترقص قليلا , مائة باب تقود للقاعة نفسها , لا أحد يعرف عن الشخص المجاور له , وعندما ترحل يشغل أحد غرفتك ويستلقي في سريرك ) لأول مرة أدرك أن الفندق الكبير ليس فندقاً وحسب , إنه أكثر من ذلك بكثير , ألم تلاحظي أناساً جدداً يدخلون وآخرين يخرجون تماماً بعد أن انتهت حكاياتهم , من الأبواب التي لا تتوقف عن الدوران ؟ إنه الحياة . هل يمكنك أن تعطيني نهاية بلا نهاية ؟ نهاية هي بداية ؟ بداية نهايتها بداية ؟
– لا أعرف .
– هذا ما يحيرني أيضاً , فلديّ بدايات كثيرة لا طعم لها .
– وماذا عن نهايتك , يعني , هل تتصور نهاية لمشوارك في هذه الحياة ؟
صمتَ كثيراً إلى الحد الذي ظنّت معه أنه لن يتحدث أبداً , بحيث ندمت على طرحها لسؤال شائك كهذا , وقبل أن تفتح فمها المتوّرد الصغير لتعتذر قال : لم أكن سوى واحد من عائلة كتبت الخيل أقدار رجالها .
عندها تجرأت وقالت بصوت حزين : ولكنني أتحدثُ عنك .
– أنا ؟! لم يكن لي حصان في أي يوم من الأيام !
– أظنك غير طبيعي اليوم !
– نعم , إنني مريض ألم تلاحظي ذلك ؟ هل نسيتِ ما يقوله الدكتور في الفيلم ( عندما أرى شخصاً ملابسه كبيرة عليه , أعرف أنه مريض ) وأنا ملابسي كبيرة عليّ , ألا تلاحظين .
– لا . إنها مناسبة تماماً "
زمن الخيول البيضاء