أمام هذا المنظر الطاغي، جلس يكتب رسالة إلى والده: أبتاه العزيز، غريب أمر هذا الإنسان، يطوف في الأرض معجبًا بأعالي الجبال، منبهرًا بأعالي الموج، صاغيًا إلى صوت المحيط، متأملاً حركة النجوم، لكنه لا يتوقف لكي يتطلع إلى نفسه وداخله. لماذا يرفض اللقاء مع ذاته القريبة؟ هل لأنه يخشاها؟ هل لأنه يخاف أن يفاجئه بعض ما فيها؟ ألا يدرك أن قمة هذا الجبل ليست شيئًا أمام الذرى التي يمكن أن يصل إليها فكره؟
سمير عطا الله – الشرق الأوسط
Archive for the ‘Hier encore’ Category
الأربعاء, مايو 20th, 2015
السبت, مايو 16th, 2015
نشوتك تلعب مع قطر المطر.. وانتشى قطره معك
والسحاب يطاردك بين الشجر.. خالق الزين أبدعك
الندى في وجنتك.. صار عطر بلمستك
والهوى غنى طرب.. تستثيره بسمتك
كل ما ضمّت عيوني منك طيف.. يا بعد كل الطيوف
قلت ما مثلك على الدنيا وصيف.. لا حشا مالك وصوف
لا سحاب ولا مطر.. لا نسيم ولا زهر
لا طيور ولا زهر.. ولا مع باقي البشر
الأحد, مايو 10th, 2015

تملأني التناقضات، أعيش بدلالٍ وتصرفاتي خشنة. صدري سماء وبالي يضيق سريعًا. أحلم عن الناس ونفسي تثور غضبًا منهم. أحب الثراء وأحب البساطة أكثر. أرغب بإمتلاك كل شيء لكني قنوع بما لديّ. أخفض جناح الذلّ وتغمرني الأنفة والكبرياء. أحب النوم وأكتفي في اليوم بست ساعات. هادئ وروحي طائشة. ثابتٌ وجسدي يموج. صموتٌ وعقلي ثائر. مليئ أنا بالتناقضات لكن جسدي وعقلي وروحي لا يتآلفون إلا معكِ، لا أنسجم إلا برفقتكِ، لا يعنيني في هذا العالم بأكمله سوا محبتكِ. تملأني التناقضات يا هاء ولا أنتمي إلا إليكِ، طفلكِ أنا ووحيدتي أنتِ.
الإثنين, مايو 4th, 2015

حدثتني عروقي، عن دمي، عن قلبي الساري بعشقكم. حدثتني عيناي، عن ضيّهما الموقد من مشكاة جمالكم. حدثني لساني، عن فمي الناطق بهوى حبكم. حدثني كتفي عن حنانه لرأسكم. حدثتني أصابعي، عن يداي، عن جوارحي، عن اشتياقها لجلدكم. حدثوني فيما يروونه عن روحي أنهم قالوا: فلنعم قلب المرء تغمره محبتكم.
الجمعة, أبريل 24th, 2015
السلام عليكِ، بارك الله في جمعتكِ وأيامك. صحيت بالأمس وعيني وارمة، هل شعرتي بذلك في عينك؟ فقد اعتدنا أن نمرض سويةً؛ على الرغم من أن ورم العين ليس مرضاً، فلعلها حشرة ملعونة قرصتني وأنا نائم، لكن منظر عيني أحزنني. كان الجميع يسألني حينها “ما بال عينك؟” وفي كل مرة أجيب بشيٍ مختلف “لا أدري، قرصة، لا تسأل، يمكن ذنب أرتكبته، ربما عيناها تؤلمها” قلت الإجابة الأخيرة وشعرت بأني أريد أن أضرب رأسي بالطاولة أو أختبئ تحتها لأبكي طويلاً، أبكي بحزن وقلب محروق عارفة؟
أنا مرتبك وتائه.. مرتبك من كل ما حصل، فقد اعتقدنا حينها أنها النهاية. لكن لماذا لا أزال أحبك؟ لماذا كتبت لكِ الكلام الغبي وأنا أحبك؟ لماذا انتهينا وأنا أحبك؟ طيب هذا خطأ، فكل النهايات عليها أن تنتهي بكُره. حتى المكالمة الأخيرة انتهت من كلانا بـ”أحبك” “وأنا أحبك”. أنا مرتبك يا هاء، وهناك شعور في داخلي أنها ليست النهاية، وأشعر أنها لديكِ ليست كذلك. رجاءً.. لا تعتادي على الغياب، أما أنا فأخبركِ بأني لا أرغب بشيءٍ في هذا العالم أكثر من العودة إليكِ، عودتكِ إليّ، لكن ما يمنعني هو الشعور بالخجل من الحماقة التي ارتكتبتها. وأعرف أن هذا العمر قصير ولا يليق بنا أن نقضي ساعةً من نهار كغرباء، لا يليق بنا هذا الغياب، ويجب أن تعرفي أمراً واحداً مؤكداً: أني أحب وجودي معك، أحب الحياة برفقتك، وأني أحب ملمس جلدك، أحب ملمس جلدك، أحب ملمس جلدك.
الخميس, أبريل 23rd, 2015
وأنت الثرى والسماء..
وقلبك أخضر
وجزر الهوى فيكَ مدّ!
فكيف إذاً لا أحبك أكثر؟
نسيمك عنبر، وأرضك سكرّ
وقلبك أخضر .. أخضر
وإني طفلُ هواك ..
على حضنك الحلوّ أنمو وأكبر ..
وإني أحبك أكثر
الخميس, أبريل 23rd, 2015
وما زال كتمانيكِ حتى كأنني ..
برجعِ جوابِ السائل عنكِ أعجمُ
لأسلم من قول الوشاةِ.. وتسلمِ
سلمتِ وهل حيٌّ من الناسِ يسلم؟
فلا سلوةٍ عنك.
الأربعاء, أبريل 22nd, 2015
قالوا علامك شـ الذي باديٍ منك..
وعلام جسمك ناحلاتٍ رسومه؟
ما أقدر أبيّن عن همومي و لا عنك
ولا أقدر أداري سِهْر جرحي و نومه
يا ريف قلبي إنت بلواي و الفتك ..
و أنت الذي زارع بقلبي همومه
أعالج جروحٍ وعلاّتها منك
و بالك تعذل القلب و إلا تلومه.
السبت, مارس 28th, 2015
قتلنا سقوط العروبة. أعادنا جزراً متكارهة ومكونات متحاربة ومناطق متربصة. ثوب العروبة أكثر رحمة من الملابس الضيقة المحروسة بالخطافات والخناجر. عروبة حضارية ومتسامحة. ودول طبيعية يذهب فيها الأولاد إلى المدارس لا إلى ثكن الميليشيات.
إنه حق العرب في أن يكونوا أمة حرة وطبيعية. وأن يدافعوا عن وجودهم ومصالحهم. وأن يتعايشوا مع الآخرين ويتاجروا معهم. وأن تكون الحدود فرص تعاون وتبادل لا كمائن للتسلل وفرصاً للاشتباك. لهذا ليس المطلوب استحضار جروح التاريخ وفواتيره. ليس مطلوباً إيقاظ العروبة لا ضد الفرس ولا ضد العثمانيين. المطلوب إيقاظها من أجل أن يكون للعرب في هذا الشرق الأوسط الرهيب بيت يعيشون فيه حاضرهم ويبنون مستقبلهم.
غسان شربل – صحيفة الحياة
الأحد, فبراير 15th, 2015
أهلاً بكم، وحشتوني. لم أكتب الأيام الكثيرة الماضية إليكم لأني مشغول وأعمل بكدّ، وفي العمل يقومون بشفط مخيّ حتى أعود إلى المنزل آخر النهار منهكاً، أمور الدولة لا تنقضي، يبدو غروراً حينما أقول ذلك لكنها الحقيقة -بتواضع-. مع التأكيد على مسألة أنه لا يجب أن يشغلني عنكم شيئاً، تعرفون لماذا؟ لأنكم وطني وأُمتي. دائماً ما تسألوني لماذا أحبكم؟ لديّ أجابات كثيرة كثيرة على هذا السؤال، أحبكم لأنكم ببساطة تستحقون الحب، لأنكم الإجابة المنطقية لسؤال “إن لم أحبكم أنتم فمن أحب”؟ أحبكم لأن ابتسامتكم جميلة للحد الذي تنسيني هموم الدنيا بأكملها، أحبكم لأنكم لا تبخلون عليّ بهذه الإبتسامة، أحبكم لأني أؤمن بكم ولأنكم تؤمنون بي، ولأني أؤمن أن ليس في عينكم سواي، أحبكم لأنه ما من أحدٍ قبلكم أخجلني بكرمه للحد الذي لا يستطيع شكري له جزاءً، أحبكم لأن حياتي تغيرت من أجلكم، توقفت فيها عن نزقي ومللي ودلعي ونوبات كآبتي المفاجئة فقط لأني أحبكم ولأني لا أريد لأي شيء أن يؤذيكم، أحبكم لأنكم قضيّتي الأساسية في العالم، أحبكم لأنكم لا تهرعون إلا لي ليلاً حين يشتد بكم الخطب، أحبكم لأنكم توقظوني من النوم فقط لتقولون لي “منصور أنتبه لي” وأشعر أن قلبي يخترق، وأطمأنكم أنكم بعيوني ونعود لننام بعمق، أحبكم لأنكم تثقون بي حينما أطمأنكم أنكم بعيوني، أحبكم لأن فيكم طفولة، أحبكم لأني أستطيع التحدث معكم بلا تلعثم، أحبكم لأن جمالكم مريح وصوتكم مريح، أحبكم لأني لم أعرف أحداً من قبل يستطيع أن يتحدث بالسلاسة التي تتحدثون بها، أحبكم لأني سعادتكم وعلاج حزنكم المخبو، أحبكم لأني ألملمكم حينما يصيبكم التشتت، أحبكم لرقيّكم وعليائكم، أحبكم لأنه حقيقٌ بمثلي أن يقترن بمن هو في عظمتكم، أحبكم لأنكم راحتي وطمأنينتي وأن الحب الذي بيننا حقيقي ويسري في دمي، أحبكم لأنكم لستم كسواكم وأنه إن لم أحبكم أنتم فمن أحب؟.
لا باس ..
الجمعة, يناير 30th, 2015.jpg)
يا سيّدي والله ما أشوف الأنداد
أنا وحيد “السياسة” ما خِلق ثاني ..
البدر، بتصرف : )
نعم تستحق.
السبت, يناير 10th, 2015من أجمل ما شاهدت، لا أستطيع إنكار أني شاركت بحفلة البكاء معهم، ولا أستطيع إنكار أن لفلسطين سحرٌ خاص لا يمكن لأي شيء أن يضاهيه حتى في برنامج مواهب، ولا أستطيع أن أنكر أن عازف القانون الصغير أعاد كتابة أشياء وأشياء بعينيه قبل أصابعه الصغيرة، وأنه حريّ بمثل هذا الطفل أن يكون رجل قانون.
شكراً لهذه الفرقة الرائعة والراقية، شكراً لفلسطين الولاّدة المشعة. أحبكم.
عصر الطاقة
الثلاثاء, ديسمبر 9th, 2014لا يبين الشَبَه إلا في البُعد. موكب ثلاثي ابتعد، فبانت فيه ملامح الشَبَه التي كنّا نظنّها فوارق. ثلاثة مختلفين يشكّلون صورة متكاملة لمنشأ واحد: لبنان السابق، المختلط بألوان الغروب، ملبّداً كالحاً وأرجواناً جارحاً. ثلاثة نشروا سُمعته في البلدان. جورج جرداق ناثراً وشاعراً، وصباح مواويل وفساتين وحناجر، وسعيد عقل شاعراً، مقلِّدوه كثيرون، ولا يُدرك تقليده أحد.
تلك كانت، “المدرسة اللبنانية”. أي البيت اللبناني البسيط الذي يُعيد نحت نفسه وإعلاء أعمدته وتلوين حديقته وتحويل الحياة إلى فرح: مُضحكات جورج جرداق، وصناجات صباح، وسيوف سعيد عقل. أو رماحه. خرجوا، مثلما يخرج الروّاد، من برج التحدّي. المجتمع الريفي الذي يتوهّم المدينة صعبة وعصيّة ورافضة البسطاء، فما أن يحلّ فيها، حتى يُصبح هو بَريقها، بل يحملها على أن تتبعه، يُصفّق لجورج جرداق، ويرنرن مع صباح، ويحلّق مع سعيد عقل فوق الشعر والنحت والجمال وقمم الصناعة والصياغة.
في تلك المرحلة، كان ذوو الموهبة المسيحيون ينشأون في طقسين ومناخين: اللغة الأم وآدابها، والفرنسية وجذاباتها. والثانية لم تحمل إليهم فقط الجمال الأدبي كالعربية، بل علّمتهم الثورة والعشق ومحاربة الظلم بالقلم والفكر. عندما ألغت فرنسا قبل أعوام قليلة راسين وكورناي من البرامج المدرسية، احتجّ على القرار رجل واحد: سعيد عقل. لقد كان ذلك اعتداءً على القرن السابع عشر، الذي وُلد هو فيه. راجع بنت يفتاح.
ظلّ الثلاثة يعملون حتى أقامت الشيخوخة حاجزها على أعتابهم. دخل سعيد عقل نفَق النسيان، من غير أن ينسى أن عليه أن يفيق في اليوم التالي ليُكمل ما بدأ: إصلاح العالم وإعادة لبنان إلى مرافئ صيدا وصور. لم يُضِع لحظة واحدة في الفكاهة. لم يكتب كلمة واحدة، على خفّة أو تخفُّف. لم يغزِل إلا في الكتاب ومن أجل الشعر، يطوّع القوافي مثل سِوار، ويفرشها مثل قِلادة.
آن لي أن أعترف أنني لم أكن أُحب آداب الرجل ومبالغاته. كان يُثيرني أنه يعيش في عالم مصنوع، وليس في عالم حقيقي. عالم يريده، لا عالماً ممكناً يضمّه مع بقيّة الناس. لكنني كنت كلما عُدت إلى شعره، رأيت فيه جمالات المستحيل في ملاعَبة اللغة. كم جعل الاستحالة قافية، أو صدراً.
الجزء الماتيماتيكي فيه، الذي طالما تَباهى به، أعانه على أن يعيش في حال التحدّي الدائم. وإذا كان قد تماهى دوماً مع بول فاليري، صاحب “جون بارك”، فلأنه مثله مكوّن من رياضيّات وشعر. وقد قلّده في كل شيء: في أن يكون شاعراً هندسياً. وفي أن يكون سياسياً وطنياً، وفي أن يكون أستاذاً جامعياً. الفارق الجوهري: لبنان ليس فرنسا. وهو فارق يَبين في الحياة ويتفجّر في الموت. فاليري أقيمت له ثانية الجنازات الوطنية بعد فيكتور هيغو. وأما المسيو هيغو، فقد سارَ في جنازته مليونا إنسان. كان يقول: “لن أعود قبل أن تعود الجمهورية”. سعيد عقل دخل نفَق النسيان وهو يودّع الحياة، والجمهورية تودّع نفسها. ليس هناك مِن رئيس يأمُر له بجنازة وطنية. والطريق إلى زحلة مقطوع بالمخاوف. و”وطن النجوم” تغيب نجومه في مواكب. أو في مجرّات، كما كتبت رلى راشد.
كان في عصر سعيد عقل، مائة كوكب. مجرَّة من الشعر والرمز والتجديد في بلد بحجم بلدة فرنسية. لم يبرَع أحد في خليط الحداثة والكلاسيكية مثلما برع هو وأتقن وأبدع. كان والده معمارياً وهو كان يكتب الشعر بـ”الشاقول”. مقياس الذرّة ودقّة العمّارين الذين يشعرون بعفوية، أنهم يعمِّرون لكي يبقى البناء إلى مدى البقاء. لا خفّة في قياس حجر الزاوية.
كان ينام حالماً بعالم فاليري، ويفيق في عالم ضيّق، مكتظّ، مُسرع ومُتعجّل. ضخَّم حجم زحلة من أجل أن يكبر بها أكثر. جعلها إمارة مستقلة الآداب والآفاق، وشيئاً من صيدا أو صور بلا موانئ. لكنه كان يكتشف دائماً أنه ليس فيها سوى مكتبة صغيرة، تتسع للجرائد أكثر مما لبعض كُتبه التي أضحت عناوين في الذاكرة ودائرة المحفوظات والدراسات.
في عصر سعيد عقل كان الشعر في لبنان مثل المعلّقات في الجاهلية. يقرضه الشعراء وينظمه النظّامون ويلهج به أهل العامية، حتى صار سعيد عقل يقلّد ميشال طراد كما قلّد شوقي بيرم التونسي. والكتابة بالعامية مثل الكتابة بالحرف اللاتيني، مثل الكتابات السياسية المتهوّرة أو المُغالية. كانت حماقات رجل لم تحصّنه مواهبه في الرياضيات. كان سهلاً أن يُحب وسهلاً أن يتهوّر في غضَبه، بما لا يليق، لا به ولا بمعشره.
كان يعتقد نفسه منذ بداياته، أنه يُعطى للأشياء، وليست تُعطى له. لذلك، تنقَّل ما بين القومية السورية والقومية العربية قبل أن يستقرّ على قومية لبنانية فينيقية بدَت نوعاً من الغلوّ أيام كانت القومية العربية تسعى خلف كينونتها. ومع ذلك، فإن العرب غفروا له السقوط السياسي بسبب العلوّ الشعري. وكان من أوائل المعزّين، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في حركة بارعة من مسلك السماح وذِكر محاسن الموتى.
كان عماد “المدرسة اللبنانية” وعلامتها أن أهلها أبدعوا في صناعة الذات. أشرقت صباح، كما أشرقت فيروز، كما حلّق سعيد عقل، من بيوت بلا شُرفات، ليساهموا في جعل لبنان “شُرفة العرب”، كما كان يصفه الملك فيصل بن عبد العزيز. واشترك سعيد عقل مع الأخوين رحباني في مدّ “جسر القمر” بين لبنان والعرب، وبين اللبنانيين في ما بينهم من ظُلمات.
صانت فيروز صوتها بخبائها. لم تفعل ما فعله صباح ووديع الصافي. لا غناء في كباريه، ولا ظهور في مطعم، ولا مقابلات صحافية غير مُعدّة ومكتوبة ومصحّحة. هكذا أصبحت فيروز، هي “أريستوقراطية” الصورة في الغناء اللبناني، مثل أم كلثوم في مصر. والباقي “شعبيّون” ودرجة أخرى. وقد لعبت “النهار” دوراً كبيراً في رسم ذلك المناخ. فلم يطلّ فيها سعيد عقل “الكلاسيكي” إلاّ قليلاً. ولم تُفتح الأبواب لصباح إلاّ في إعلانات الأفلام. وكان وديع بعيداً عن أذواق المحرّرين. احتلّت فيروز “النهار”، بصورتها وهالَتها، وعلَّقت نفسها أيقونة في الوجدان وعلى الجدران، وغنّت لسعيد عقل أيقوناته العربية الثلاث: مكة، والشام، وأجراس العودة.
الشعراء، مثل الأمهات، ليست لهم أعمار. لا يعني شيئاً أن تقول إن سعيد عقل مات بعد المائة، أو أن أبولينير مات بالحُمّى الإسبانية في الثانية والثلاثين. سوف نفتقدهم لأنهم لا يتركون ورَثَة سوى أنفسهم. بعد يوم واحد من وفاة إديت بياف، مات شاعرها وصديقها جان كوكتو. كأنها منحَته فرصة أن يرثيها، فقال إن من صدرِها الضيّق، كانت تَصدر آهات الليل. يوحّد الشعراء والفنانون في غيابهم الناس الذين اختلفوا حولهم في حياتهم. قال كوكتو: كانت بياف مثل البلبل الذي تسمعه من غير أن تراه. وهكذا ستبقى.
لاحظ الشَبَه الذي بلا نهايات: الأغنية أشهرت صباح. وجورج جرداق اشتهر في العرب بعدما غنّت له أم كلثوم “هذه ليلتي”، وفيروز حملت إلى كل عربي في جبال الأطلس، أو في جبال اليمن، “غنّيت مكّة”.
كانت هناك مجموعة من المواهب والخوارق تتلاقى على إحياء لبنان السابق. قمرٌ فوق بعلبك، والندوة اللبنانية في ساحة الدباس، والمكتبة الوطنية في ساحة النجمة، وكوكبة من مائة شاعرٍ وأديبٍ يَبرُقون في سماء الشرق.
وعندما كان يأتي إلى الندوة ضيف من مثل هالات ناظم حِكمت، أو شولوخوف، من كان يُكلَّف تقديمه؟ اللاهوتي سعيد عقل، الذي أعاد تفسير الأناجيل والخطبة وثورة الهيكل، وفقاً لما أراد للمسيحية أن تكون. والباقي سيوف ورماح شآم يا ذا السيف لم يغِب! وفي تكريم بولس سلامة المُقعد قال: “يا مغمداً تحمي العُلى/ من ذا تكون إذا تسَل”.
لا تغيب السيوف في شعره حتى وهو يهدُل أو يغزل. سيفٌ حالمٌ مثل سيف دون كيشوت. هذا هو سميّه الحقيقي وندّه الحقيقي. لكن طواحين لبنان، لا طواحين لامانشا. منفرداً مثله كان. يحيط نفسه بغموض الوجود ورَهْبة الابتعاد. يوزّع الجوائز والإمارات الشعرية بدَل أن يقبَلها. ومثل روبرت فروست، شاعر “القومية الأميركية، يجول بين الكبار على أنه أكبرهم، يُصافحهم كأنه سمحَ لهم بمصافحته. ظلّ هكذا مَشيق القامة والنفس ما زاد على القرن.
ثلاثة في موكب واحد. كان هذا عصر الطاقة والغزارة والنزول عن مصاطب البيوت الرملية، لاعتلاء المنابر.
سمير عطاالله – النهار