
و إنا على فراقك يا عبدالله لمحزونون

الآن وأنت مسجّـَـى على صوتك. ونحن من حولك، رجوع الصدى من أقاصيك إليك.
الآن لا نأخذك إلى أي منفى، ولا تأخذنا إلى أي وطن. ففي هذه الأرض من المعاني والجروح ما يجعل الإنسان قديسًا منذ لحظة الولادة، وشهيدًا حيًّا مضرّجًا بشقائق النعمان من الوريد إلى الوريد.
كان لي موعد معك، هنا في ناصرة البشارة والإشارة، فانتعلتُ قلبي وحملت هواجسي في يدي: هل أصل هذه المرَّة إلى جنة الجحيم هذه؟! أم سيعلمني السراب ثانية أن للأرض أرضًا أُخرى قريبة منها وبعيدة؟ ولم تكن أنت ذريعة للنداء. كنت العناق البعيد. أما كان في وسعي أن أجد الإثنين، دليلي وسبيلي؟! أم أن المصائر اعتادت على لعبة الحضور والغياب! على إيقاظ القلب من سكرته: لا تحلم بما لا تستحق. فليس هذا اللقاء سوى وداع.
مَــن يودِّع مَــن، أيها الساحر الساخر من كل شيء؟ ومن وقفتي هذه بالذات؟ فهأنذا أراك تغمز المشهد بنظرتك الشقيّــة، لا لشيء إلا لأنك تعرف نفسك وتعرفنا واحدًا واحدًا منذ أقدم الفاتحين حتى آخر العائدين. وتعرف أن الذات، لا الموضوع، هي ما يجعل المرء يركض من المهد إلى اللّحد بحثًا عن ذاته التي لا تجد ذاتها، إلاّ إذا امتلأت بخارجها. وكم كابدت في هذه الرحلة. كم كابدت كي تجد الأدب هناك في تلك المنطقة المتوتِّرة من السؤال. فكنت كما تريد أن تكون وكما لا تريد. وحيدًا في زحامك ومزدحمًا في وحدتك. ولكن حدود الكون كانت واضحة فيك من غير سوء. هنا على هذه الأرض القديمة الصغيرة يجري الحوار بين الواقعي والخرافي، بين الزمني والروحي، بين النسبي والمطلق، بين الزائل والدائم، بين الحق والباطل، بين الحرب والسلام. وهنا.. هنا البداية وهنا النهاية.
باقٍ في حيفا، حيًّا وحيًّا.
باقٍ في حيفا، هو الإسم الذي سمّــيت به إسمك. لا لتميِّز بين صعود الجبل وبين هبوط الجبل. ولا كي تحدِّد الفارق بين الباقي في منفى هويّته، وبين العائد إلى هويّة منفاه. بل لتفعل فعلتك الخاصة بالأسفار، ولتحفر فوق المخطوطات ما لست في حاجة إلى تأكيده، إلاّ لمواجهة زمن طال فيه الشك شرعية الأُم. حين صار في وسع القوة الواثقة من امتلاك الحاضر، أن تضع الماضي على مائدة التساؤل، لتملي عليك روايتها: حجرًا في مواجهة بشر.
لم يرتكب شعبك من خطيئة سوى إسم هذه الهوية الذي تحفره في قطعة من رخام وفي الذاكرة الجماعية:
باقٍ حيث ولد في المكان الذي واصل فيه سليقة العلاقة العضوية المستمرَّة، وبلا قطيعة، بين الأرض وتاريخها ولغتها. وتابع فيه الإصغاء المرهف بخشوع ومحبَّة إلى كلام السماء إلى الأرض. ليعيش حياته البسيطة قنوعًا بحصته من الماء والهواء والضوء وتبدُّل الفصول والغزوات، لتصبح الأرض التي غابت عنها طبيعتها أرض التعدُّدية والتسامح والسلام.
لقد شاءت طبيعة التطور التاريخي في تقاطع المصائر الإنسانية أن تجعل هذه الأرض المقدسة بلدًا لشعبين، بعدما تعرض شعبها الفلسطيني إلى المصير التراجيدي المعاصر وبذل تضحيات تفوق طاقة البشر لتثبيت هويته الوطنية، وحقه في الإستقلال. وكنت أنت منذ البداية وحتى هذه اللحظة، أحد المنابر المتحرِّكة الأقوى والأعلى، الداعية إلى سلام الشعوب بحق الشعوب. السلام القائم على العدل والمساواة ونفي إحتكار الله والأرض، للوصول إلى المصالحة التاريخية الحقيقية بين الشعبين، مع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
والآن وأنت مسجّــى على هذا المفترق، على لون هذا الغسق الداكن مدمى بالأمل وبخيبة الأمل، باليقين وبالشك معًا، فإن أكثر من جيل واحد من الباقين هنا يعبر عن دَينه لك، للطريقة التي حللت بها جدلية التوتُّر الوجودي والثقافي بين الجنسية والهويّة، بطريقة وحيدة هي البقاء والدفاع عن حقِّهم في المساواة. وإمداد عناصر الهوية بمكوناتها الثقافية، الوطنية والقومية التي لا وجود لهم بدونها.
فطوبى لك أيها المعلم الذي جعل الحنين فاكهة، وسيّـَـج الحيرة بزهرة القندول.
كم أنت يا حبيبي، كم فيك من تناقض هو أحد مرايا تناقضاتنا التي تكسر اللغة من فرط نزوع المأساة إلى ارتداء قناع الملهاة. في كل واحد منّــا واحد منك ونحن جميعًا فيك. وفي كل لحظة من زماننا أكثر من تاريخ يتبّدل قبل أن يمنحنا فرصة للتكيّـُـف أو فرصة للتذكُّــر. تاريخ ينقض علينا كقطار عشوائي، فماذا تفعل في انتحار الرحمة؟ لم تكن السخرية خيارك الأدبي بقدر ما كانت حجتك في وجه هذا العبث، وطريقة في اختيار برج للرصد، ونقطة للوقوف على قدم المساواة مع الخصم ومع القدر معًا.
إذا كنّــا نلعب، فتلك هي شروط اللعبة، لسانًا بلسان، لا طائرة ضد طائر. وفي هذه المنطقة أيضًا يتبطّــن المعنى معنى ثانيًا، ويلجأ الفرد إلى ذاته ساخرًا من عبء رسالتها فيخف الحمل الثقيل من أجل الإنتقال إلى حمل أثقل، في صحراء الإيقاع الذي لا يتوتَّر إلاّ لينسجم بين السياسي والأدبي. لا، لن تستطيع العودة إلى الوراء لإجراء التعديل المبتغى على مصيرك. تلك كانت حسرتك الأخيرة، أن تتخلى عن السياسة منذ البداية لتكون أديبًا منذ البداية. فأنت من أنت إبن شرطك التاريخي وابن ذاتك. وليس من شيم هذه البلاد أن ترحم أبناءها ليكونوا عاديين كسائر البشر. وليس من شيمها أيضًا أن تأذن للضحية بلوم نفسها. وفيك من المساحات والأصوات، فيك من تقاطع الطرق وحوادثها، فيك من البطل والضحيّة والشاهد، فيك من الأنا والجماعة والآخر، ما كان يُــعجِــز الفرد فيك عن أن تكون الراوية، لأنك أنت، أنت الرواية المفتوحة على الجهات كلّها والمفارقات كلّها والأسئلة كلّها ما عدا سؤالاً واحدًا: هل إنتصار الإطار هو هزيمة المعنى، وهل هزيمة الأداة هي موت الفكرة؟
والآن وأنت مسجّــى على فكرتك ذات الأقانيم الثلاثة، الحرية والعدل والسلام، فإن شعبك بأسره، شعبك العربي وأشقاءه من آخر الصحراء حتى آخر البحر، وأصدقاءه الأوفياء، أصدقاءك، من قوى السلام في هذه البلاد وفي العالم، يزدادون وفاءً لفكرتك فتلك هي وصية الحُــر للحُــر، وتلك هي هوية وجودنا الإنساني المشترك على أرض المعاني الإنسانية العريقة والتعدُّدية الثقافية والدينية والقومية. أرض السلام العطشى إلى السلام.
فانهض معنا يا أبا سلام لنمضي قليلاً معك وإليك، إلى هناك، إلى حيث تريد أن تنام حارسًا دائمًا لتلفُّــت القلب إلى حيفا. واغفر لنا يا معلِّمنا ما صنعت بنا وبنفسك. إغفر لنا أننا سنعود بعد قليل إلى أنفسنا ناقصين.
( كلمة الشاعر " محمود درويش " في حفل تأبين إميل حبيبي – حيفا 3 أيار 1996 )
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين ، فكان أحدهما يذنب ، والآخر مجتهد في العبادة ، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب ، فيقول له : أقصر ، فقال خلني وربي ، أبعثت على رقيباً ؟! فقال : والله لا يغفر الله لك ، فقبض أرواحهما ، فاجتمعا عند رب العالمين ، فقال الله لهذا المجتهد : أكنت عالماً بي؟ وقال للمذنب : اذهب فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر : اذهبوا به إلي النار "
حياكم الله ,
للمرة الأولى يجيني واجب 😳 , وكفاية إنه من عند Details .. المشكلة إنه مافهمت الواجب ! بس الست سميرة والسيد عيِاش كثّر خيرهم شرحوا لي كيف يعني , وفوق كذا سميرة جاوبت على 5 من 6 يعني أنا بس أعرف سرّ واحد عني , دايم سميرة تحلّ عني الواجبات 😛 .. ميرسي كثير !
– أذكر اسم من طلب منك حل هذا الواجب :
– أذكر القوانين المتعلقة بهذا الواجب :
طه 😀
– تحدث عن ستة أسرار قد لا يكتشفها من يقابلك للمرة الأولى :
1/ لما أكون معصب ما أخبر اللي أنا معصب منه أبداً و ما أبين له !
2/ ما أحكي بموضوع غير لما أحد يسألني عن رأيي ..
3/ ما أحب أشرب شاي , ليه أقول هذا الشيء !؟ عشان دايم الناس تستغرب إني ما أشرب شاي لما يصبون لي ..
4/ أحب الناس اللي تحترم خصوصيتي , تذكرون برواية الجنية لغازي القصيبي .. لما الجني قنديش يعصب منه ويقوله ( تراكم غثيتونا بخصوصيتكم , لابارك الله فيكم ولا بخصوصيتكم ) 😀
5/ أحب البساطة ..
6/ ما أحب أحد يركز بالكلام عليّ .. بالجامعة مثلاً كانوا الدكاترة يشرحون ومركزين عليّ .. كأنهم يشرحون لي وحدي ! الشيء هذا يسبب لي احراجات ويربكني 🙁 .. بشكل عام ما أحب أحد يتكلم ويركزّ فيني !
– حول هذا الواجب إلى ستة مدونين ، وأذكر أسماءهم مع روابط مدوناتهم في موضوعك :
زياد , الجوزفان ( صقر / حرب ) , سيد درويش , اللمون , عيّاش
-> توبة أحد يعطيه واجب !
يا جدي , لم أتمنى يوماً أن كنت كبيراً كما أتمنى ذلك وأنا في حضرتك , أتأملك وأنت تتحدث وأقول في نفسي لو أني كنت في عمره , فقط لأكون صديقه , حديثك يفتنني يا جدي , أعلم أنك قليل الكلام , ورثت ذلك منك كما ورثت يدي التي أضعها على جبيني حين أفكر , حديثك قليل ولكنّ مداه واسعٌ كأنه سماء , و صوتك الجهوري القديم كأنه طيور جارحة تحلق فيه , أتعلم يا جدي .. لم تعد أصوات الناس جهورية كما هو صوتك , أصواتهم انطفأت كأنها خلقت لتزول ! وإني حين يقتلني الحنين أجترّ صوتك كما تجتر الإبل عشاءها في عتيم الليل , صوتك خلق ليبقى يا جدي .
وأحب ذكرياتك كما لو كانت ذكرياتي , لم تحدثني يوماً عن طفولتك ولا عن صباك , لا أعلم عن ذكرياتك إلا ما أخبرني به أبي , لا أذكر إلا أنك قلت لي مرةً أنك صعدت برج إيفل ثم أصابك البرد الشديد حتى تجمدت , وتمنيت في حينها لو أن لي جناحان لأطير للبرج وأصعد إلى النقطة التي وصلتها فقط لأتجمد من البرد كما حدث معك , أهيم بذكرياتك يا جدي وأقصّ أثرها أينما سرت , هل تعرف أحداً يحب ذكريات غيره كما أحب أنا ذكرياتك !؟ , أعلم أن بها كثيراً من الألم ومما لا تود أن تذكره , ولكن ذكرياتك فاتنة حتى بآلامها . وأنا صغير سمعت من والدي أنك أصبت بحادث سير ونجاك الله , ثم أتينا لزيارتك ورأيت يداك ورجلاك داخل الجبس , لم أفهم ما الذي أراه , ولكني لم أخف منه , لأني رأيتك تبتسم .. أو ربما هكذا تهيأ لي , وذهبت بعدها لألعب .. هل تذكر " هوّ الأصول " يا جدي !؟ , كثيراً ما يعيدها والدي وهو يضحك , كلنا نحب ذكرياتك يا جدي ونرددها دائماً !
وأحب حين أزورك في الصباح وأجلس إلى طاولتك وأنت تتناول قهوتك , ثم تصب لي الحليب وتضيف عليه القهوة الحلوة , وتغضب حينما تراني أملأ كوبي من السكر , وتخبرني أني سأندم في المستقبل , وأبتسم لك يا جدي وأتوقف عن إضافته , وأقول في نفسي يكفيني السكر الذي تقوله , ثم تأتينا زوجتك وتبدأ بشتائمك التي أعشقها , أضحك حينما تحدّث زوجتك بأشياء لا تفهمها هي لتسألني بعدها " وش يقول جدك ؟ " ثم تصرخ فيها " قاتل الله الجهل " وتعود لتقرأ الجريدة , كم تكرر هذا المشهد !؟ , بالنسبة لي أراه كل يوم و أود أن لا ينقطع .. فنذهب للسوبر ماركت وتغضب من عدم التزام الناس بالنظام على الطريق فتبدأ بشتمهم ( جحوش ) , وأنا أأمن على كلامك وأقول " اي والله يبه " وتهز رأسك بحزن , لسنا بأمريكا يا جدي التي عشتَ فيها طويلاً وأحبّك الناس هناك حتى بكوا حين رحيلك , و أعطاك عمدة المدينة مفتاحها الذهبي لتسرقه منك خادمة هنا تعمل لديك , لا تحزن يا جدي على شيء , دعنا نحن من نحزن عنك , أنت أجمل من أن تحزن من شيء !
( عندك مكانة وصيت كبير .. في عندك عندي من التقدير شي كتير ) هل غنته فيروز لك يا جدي !؟ , كأنه كُتب من أجلك .. هكذا أتخيله دائماً حينما أسمعه , يوم تعلمت الشعر أول ما كتبت كان لك , كانا بيتان لا يجبر كسرهما شيء , وكنت شديد الخجل لا أدري كيف أوصل ما كتبته إليك , وفي يوم تشجعت وأريتك إياه , لم تقل لي شيئاً .. لم تقل أعجبك أم لا .. فقط قرأته وأعدت قراءته أكثر من مرة , و هززت رأسك لا أكثر .. لم أكتب بعدها شعراً لسنين , كأني وصلت للغاية حينما كتبت لك !
أحبك كثيراً يا جدي , وأحب حديثك وصمتك .. وأتمنى أن كنت كبيراً كفاية لأحظى بصداقتك , لأتجرأ حينها وأسألك عن كل شيء .. فتجيب بصوتك الجهوري الذي خلق ليبقى أبداً ..
بالأمس .. كان آباءنا على هذه الأرض لا يجدون ما يأكلونه , يطاردون السراب ويسفّون التراب ليسدوا جوعهم , عاشوا الضعف بكل صوره ! , ولأنهم عاشوه عرفوا معنى الأخوّة والتكافل والتراحم حتى غدت هذه المثُل شيئاً منهم , كان الشاذ فيهم من يرى نفسه خيراً من الآخرين .. واليوم انقلبت هذه الآية , بتنا نحن من يستضعف الآخرين ويحتقرهم ويذلهم , تجاهلنا ماضينا وجميع القيّم التي كانت متأصلة في نفوس آباءنا وأجدادنا حتى أصبحنا معدومي الإنسانية , نحتقر الآخرين ولا يرّف لنا جفن ! دع عنك أن نستشعر آلامهم ونواسيهم ! مايحدث كل يوم أمام أعيننا معيب , في حق الله أولاً وفي حق أنفسنا والآخرين , إن لم تكن إنسانيتنا هي الرادع لنا فلن يفيد الدين ولا التربية , فهي لا قيمة لها إن لم يحتويها قلب مليء بمحبة الآخرين , مليء بالعطف .. لسنا أنبياء ولا ملائكة , ولكن ليس هناك مبرر لنؤذي الآخرين و نحتقرهم , هؤلاء الضعفاء حينما نجلس إليهم نجد كم هم عظماء من الداخل , وكم هي قلوبهم صافية ومليئة بالطيبة , وأن استحقارنا لهم يؤذيهم ويمزق قلوبهم .. لماذا لا نتخيل يوماً أننا سنكون في مكانهم ؟ لماذا نرتضي للآخرين مالا نرتضيه لأنفسنا وللقريبين منا , لا تؤذوا أحداً , تذكروا قبل أن تسببوا الأذى لأحدٍ أنكم تؤذوا الله !
* ذات صلة
الحياة من وجهة نظر خبزة ..
أنا خبزة , جئت إلى الحياة قبل يومين , وسأرحل قريباً , نحن الخبز لا نعمّر طويلاً , لأننا لا نملك وسائل دفاع كالتي يملكها الإنسان على سبيل المثال , على الرغم من أننا نشترك معهم بصفات كثيرة , فنحن يوجد لدينا خبز أبيض وخبز أسمر , وخبز طويل وخبز قصير , ولدينا خبز جميل يذهب للأغنياء , وخبز مخصص للفقراء فقط , نحن الخبز أعدادنا كبيرة , وأعتقد أننا نصل في اليوم الواحد إلى 10 مليارات خبزة , ولكن لم نفكر يوماً في السيطرة على الأرض لأننا مسالمون , سمعت الكثير عن الإنسان لذلك أنا ممتنة كثيراً إلى الله أن عمري قصير !
الحياة من وجهة نظر زرعة ..
أنا زرعة , وأشعر أن الحياة باعثة على الشقاء , وأحب أن أموت , بالأمس فقدت أمي , لذلك أنا حزينة وذابلة , بالمناسبة أنا غاضبة على هؤلاء البشر , لأنهم قساة ومجانين , أنا غاضبة و أود لو أن الله يخسف بهم ليكفوا عن قتلنا وقتل العصافير , ولكن أجد عزائي أنهم يقتلون أنفسهم أيضاً , هؤلاء البشر المجانين !
الحياة من وجهة نظر مكيف ..
أنا مكيف , ولا أعلم سبب هذه التسمية لأنها غريبة , وأشعر أحياناً أنها غير لائقة , في المرة الأولى التي أتيت بها من أمريكا إلى هنا بعد رحلة شاقة وطويلة كانوا يسموني كنديشن , أعجبتني هذه التسمية , ثم استيقظت يوماً وإذ بهم ينادوني مكيف , فشعرت بالغضب وقمت بالإضراب حتى يعيدوا لي اسمي , وحين لم يستمع إليّ أحد عدت إلى العمل من جديد , يقولون أني مزعج , في الحقيقة هذا غير صحيح , ومن يتفوه بهذا الهراء عليه أن يخجل من نفسه , فأنا أرى أشياء مريعة تحصل أمامي ولم أتحدث عنها يوماً , لأني في الحقيقة كتوم ولا أحب أن أفشي سراً , ليس لدي تعليق عن الحياة , ولكن أعتقد بأنها جيدة لولا هؤلاء البشر ناكري الجميل !
الحياة من وجهة نظر الموت ..
أنا الموت , وأود طرح تساؤل يشغل فكري كثيراً , لماذا أنتم تسمون هذا الشيء حياة , لأنها مستمرة !؟ ستنتهي يوماً وسأبقى , أنا الحياة !
حين وقف منتصف المسرح غافل الضوء المسلط عليه وأهداها لسوزانا , انفصالهما والطريقة التي يشد فيها على الحروف حين يعيد لا تتركيني لا تتركيني , يمكننا أن ننسى , يجب أن ننسى , الطريقة التي يضم فيها الضوء أبكت الكثيرين , كيف استغفلنا بحزنٍ مصطنع , جاك بيريل أفلت يد سوزانا من قبل أن يكتب موسيقى رجاءاته الموجعة بكثير , يجب أن ننسى من رحل , يقول , لا يمكننا أن ننسى , كيف يمكن أن تستيقظ بيدٍ واحدة وتنسى , كيف يمكن أن تنسى أنك أصبحت النصف فقط , نصف خزانة , نصف وسادة وحصة طعام واحدة , لا يمكن أن ننسى وأكره حين يشد على الموسيقى ويصرخ لا تتركيني .
Ne Me Quitte Pas
نسـيان
في مدونات الوردبريس يوجد ما يسمى بالتعقيبات .. هي باختصار حينما يتحدث أحد عن مدونتك يظهر لديك , في الحقيقة لم أشاهدها قبلاً لأنها لم تظهر لي – لأسباب تقنية – منذ أنشأت هذه المدونة , ولكن أعرفها ؛ اليوم كنت أفكر لو أن عقل الإنسان يمتلك تقنية " التعقيبات " , بمعنى أنه حين يتحدث عنك أحد يصل إليك ما يقوله ! ولديك القدرة للذهاب إليه عن طريق التعقيبات أيضاً لتصحح له المعلومات المغلوطة التي يتفوه بها , في الحقيقة سيصاب الناس بالجنون لو أن هذه التعقيبات توجد في عقولهم , فهم لا يستطيعون إلا الحديث عن الآخرين , وسيصابون بالرعب أيضاً , فتخيل معي أن يقتحمك صوت وأنت تتحدث ليخبرك أن ما تقوله غير صحيح , ويجب أن تتوقف حالاً , ستمتلئ الشوارع بالمجانين ، وتراهم وهم يهمسون بشتائمهم عن الآخرين بطريقة رمزية لا يعرفها غيرهم , سيجنّون جميعاً و سيبقى رجل أخير هو الذي لا يتحدث عن الناس ولم يصاب بالجنون ليجد حلاً لهذه المعضلة !
يحدثني أصدقائي عن مدى براعتي بالتقاط التعابير الجميلة من القصائد أو الأغاني , إن كان هذا صحيحاً فإني أدين لوالدي بهذا الفضل , في بيتنا القديم كان لدينا ( مشب ) , كان والدييملأه بمختاراته من القصائد , بمجرد دخولك إلى المشب يقابلك ( سلام أحلى من حليب المصاعيد ) , كان هذا البيت بالذات من أكثر الأبيات رسوخاً في ذهني , لتفهم هذا البيت جيداً عليك أن تتأمله كثيراً لتتذوق مدى براعة الوصف الذي يحمله , المقصود هنا " سلام أحلى من حليب الإبل " , ولكن لماذا لا يريّح نفسه الشاعر ويقول سلام أحلى من حليب الإبل وكفى ؟! , المصاعيد هي الإبل التي فجأة يتوقف درّها من الحليب ويبدأ بالصعود , يمثل الصعود المرحلة الأخيرة , يكون مذاق الحليب صفوة الصفوة , الشيء النادر الذي لا يستطيع جلبه إلا الخبير بالإبل , لذلك كان وصف السلام بمنتهى الروعة , وأنا لا أستطيع أن أفصل مختارات أبي دون الولوج في عقليته , عقلية صاحب الإبل وعقلية الرجل الاجتماعي الخبير في الوقت نفسه بطبائع الرجال , ( راعي الغنم يشيب من قبل شيبه .. والبل معزّة تجلي الهم والشيب ) هذا البيت تحديداً يمثّل عقلية عاشق " عطايا الله " , الشديد الانحياز لها عما سواها , و هناك أبيات أخرى كثيرة توضح قوانين المشبّ الذي لا يُمنع أحد من الدخول إليه ولكن بالمقابل عليهم الالتزام بمتطلباته , منها ( مالي بشيل الهرج من كل مقرود .. ولا لي بنقّال النميمة علاقه / هرج القفا يكره وراعيه مطرود .. مابه لرواد المجالس علاقه ) , هذه الأبيات البسيطة والمباشرة تحمل في طياتها معاني عظيمة , لا يستطيع أحد أن يتحدث بالسوء عن الآخرين وفي كل إلتفاتة له يقرأ هذه الأبيات , هذا المشب تعلمت منه الكثير الكثير , وأدين له ولصاحبه بعد الله بالفضل عما أنا عليه , تعلمت منه كل شيء تقريباً باستثناء صنع القهوة , كان والدي يدللني !
يا لروعة أن تتعلق بشيء حتى يذهب عقلك , هكذا أنظر إلى الذين زالت عقولهم , أو ما نسميهم اصطلاحاً المجانين ! وبالمناسبة فإني نظرت إلى المعجم و وجدت معاني جميلة مشتقة من ( جنّ ) منها استتر , واشتد عليه , كما في الآية ( فلما جنّ عليه الليل ) أي فلما اشتد عليه الليل , ومنها الأمر الخفي , وبالطبع ذهاب العقل , الحقيقة أني شعرت بالسرور حين قراءتي ما يشير إلى ( جنّ ) حيث أنها جاءت تماماً لما اعتقدته عن كونهم واعين تماماً لما يحدث من حولهم , غير أن تعلقهم بالشيء الذي جنّوا من أجله يجعلهم غير قادرين على التواصل أو بالأحرى لا يهتمون به , أشعر أنهم يتألمون ليس فقط لأننا لا نحترمهم , ولكن لأنهم يريدون مشاركتنا ولا يستطيعون ذلك , كشعور الأبكم الذي لا يستطيع الكلام ويريد أن يصرخ بعجوز تقطع الشارع لتصدمها سيارة مسرعة يقودها مراهق يتحدث بالهاتف ثم يهرب ولا يزال يتحدث بالهاتف أيضاً , شعور قاتل اعتقادك أنه كان باستطاعتك إنقاذ حياة إنسان ولكن عجزك عن ذلك يمنعك , هم كذلك – المجانين – يشعرون بالألم ربما لأنهم يريدون تنبيهنا عن أشياء يجب أن لا نقع فيها ويعجزون عن ذلك , وشعور بالألم المضاعف حيث أنه حتى وإن قاموا بتنبيهنا بشتى الطرق فإننا لا نأخذ حديثهم على محمل الجد لأنهم ببساطة " ذاهبي العقل " , هؤلاء جنّوا لأنهم يخفون عنا أشياء يرونها مقدسة لا يجوز لأحد أن يطّلع عليها , وذهبت عقولهم فقط لأنهم تعلقوا بها وأصبحوا لا يفكرون إلا بها , أليس ذلك بالأمر الرائع !؟ , أكتب ذلك فقط لأني أشعر هذه الأيام أني قريب من الجنون بسبب الأحداث الفظيعة التي تحصل معي , والأحلام التي تأتيني , لا أدري لماذا يتكرر ذات الحلم معي , هل لأني آكل البطاطس المقلية قبل أن أنام على سبيل المثال ؟! أم لأن هناك أشياء غير مفهومة تحصل معي , أشعر أني في أضعف حالاتي , أعرف الصبر , ومررت بأشياء كبيرة لم تتزعزع بها ثقتي في نفسي , ولكن هذه الأيام أعترف أني في أضعف حالاتي وأعرف أنه حين أتخطى هذه المرحلة بسلام , سأعيش طوال عمري في سلام , فالجنون كالأمراض المعدية حينما تفرّ منه إلى حيث لا يصل إليك , فأنه لن يقربك طوال عمرك , لا أدري إلى أين أذهب حتى لا يأتيني , لا أدري إلى أين أذهب وهو يعيش في رأسي , أعرف أن بيني وبين الجنون شعرة , شعرة متينة .. لا تنقطع بسهولة , ولكن إن حدث وانقطعت فأنا لا أطلب منكم سوى أن تعاملوني باحترام , وأن تأخذوا حديثي حينها على محمل الجد !