في مرحلةٍ ما من العمر تقل إهتمامات الرجل لتصفو على اللاشيء. تغدو كما قال أشعر الناس يوماً "وكل الذي فوق الترابِ ترابُ". ليس المقصود أنها مش فارقة أو أنها مرحلة عالية من القناعة, هي توصف كما هي, أن تفقد إهتمامك بكل شيء, إن جاء أهلاً وإن لم يجيء فسهلاً .
قال لي يوماً ما, أنك حينما تتأخر عليك أن تلعب بشروط من سبقوك. سألني: هل تذكر في الحارة حينما يلعب الأولاد كرة القدم, الفتي الذي يسبق يختار الرقم 10 . قلت له نعم كما في "الكابتن ماجد" الرقم 10 هو رقم الأبطال المفضّل. ضحك طويلاً وقال لا أعرف الكابتن ماجد الذي تقول عنه. قلت إذاً زي ماجد عبدالله؟ قال لي يا منصور ماجد عبدالله غيّر القوانين, من بعده صارت الناس تقدّس الرقم 9 . رددت عليه بإستعلاء كمن يلقي محاضرة إذاً ما يسري على ماجد عبدالله يسري أيضاً على الإقتصاد, إن كنا أقوياء ونلعب جيداً بإستطاعتنا تغيير كافة القوانين ونجعل الآخرين يلعبون بشروطنا. حينما عدت إلى البيت ضحكت على غبائي ثم أسفت على وقاحتي معه, قلت في نفسي يا إلهي! ندوس القوانين فقط لأننا صرنا أقوى أو لأننا أدهى من غيرنا؟ ما الفرق بيني وبين بوش مثلاً؟ و أكبرت فيه سعة صدره. لكن في الحقيقة لم أكن أحبه, لم أكن أحب طريقته بالكلام وعيناه اللتان تتسعان حينما يصل بنا إلى نقطة الوضوح بنظرية نخالها معقدة, نظرية قد يبسطها لنا عن طريق المساويك. لم أكن أحب هذا التسطيح لمادة وجدت لتكون مربكة وغير مفهومة, لم أكن أحب أن يشرح لي نظرية الكلاسيك بهذه الطريقة "دولة! مالتس دخل بشيء" نعم, هذه نظرية الكلاسيك بكل بساطة. لم أكن أحب ذلك, لم أكن أحب إعوجاج لسانه و أن يقول لي (معاو) بدلاً من معاه, لكنه يوماً ما تحدث معي بالأنجليزية بلكنة نيويوركية تشبه لكنة هارفي سبكتر. عرفت حينئذ أن هذا الرجل يستطيع أن يكون ما يريد, لكنه لا يريد إلا أن يكون نفسه. وأن الدنيا والإقتصاد وكل شيء يجب عليه أن يكون بسيطاً وسلساً, القانون هو ماجد عبدالله, والنظرية هي المساويك. أنا ممتن إليه أنه أوصل لي حكمته بطريقة مختلفة وغير مباشرة وهي أن علي النظر دائماً إلى أعلى وقدماي على الأرض.
ل : منص هذه صورتك وإنتا صغير؟
م : أي صورتي, كنت قدك, حلوة؟
ل : أنا أحلى
م : لا أنا أحلى
ل : لا أنا أحلى منك
م : لا أنا أحلى منك وأنا صغير
ل : خلاص كلنا حلوات :p
هناك شيء غريب أحسّه, أستشعره بقوة, يجعل هذه الحياة حزينة وغير مفهومة. هناك شيء ما يربض على صدورنا فجأة يُربك لنا حياتنا الروتينية والمملة. هناك شيء يشبه كآبة الشتاء وليس بكآبة الشتاء يتلحف أجسادنا بقسوة ويجذبنا من بعيد كعزف ناي بطيء ومبكي يهلكنا. هناك شيء يتعبني. هناك شيء يتبعني. هناك شيء .
" قضينا معكم عمراً ولم نكتفي منكم
لم نشبع من ضحكاتكم
من جمال أعينكم الحوراء
من تقبيل غمازتيكم
من التمتع بروعة حسنكم ..
كيف لقلبكم يا مهجة قلبنا أن يهجرنا؟ "
– تزداد الأعمار بالحب, وتنقص بالقدر الذي ينقص منها الحب. هذه نظرية قديمة تصف الحياة.
– كان الوصف الدقيق والمحبب لمنتهى الجمال أن تقول كأنه ملَكْ. لأن الله خلق الملائكة من نور, وفي إحدى أجمل آيات القرآن وصف الله نفسه بأنه نور يهدي إليه من يشاء. وقد هداني الله من بعد نوره إلى نورٍ ملأ قلبي, ملأ عيني, ملأ مسرى دمي وطرد منه الشياطين الرابضة فيه.
– هي حبٌ يجرفك, هي الحب الذي تقول أنا أقوى منه لكنه يكسرك فيما أنت أقوى فيه, ويطبب لك وهَنكَ القديم و لامبالاتك الأبدية, هي الحب الذي قال لي كنّ فكنت.
– الكتابة هي أشق ما أفعله, لكني لا أقوى على منع نفسي من حبها, لا أقدر على كبح نفسي من كتابة قصة لأنام بعدها ليومين من شدة التعب. لكن الكتابة إليكِ أمرٌ مختلف, سهلة كسهولة إنقيادي لحبك, كسهولة إفتتان الناس بعينيك, كأنها النور الذي حدثتك عنه ذات ليل وقلت إن مَطلعهُ من شمس وجنتيك, والله لقد شاهدت انبعاثه من وجهك, كنتُ أنا قمراً موحشاً يُظهر نصف وجهه أو أبعد, لكن نورك ِأضاء لي من كتفي إلى كتفي, وددت لو أني لمست مشكاة وجهك, وددت لو أني مصباحٌ أضع صبحك بي, وددت لو أني استطعت أن أتحسسه لأقول لكل من أعرفه أني لمستُ سماءً بيدي .