لا تقرأو هذا الموضوع .

لا أحب أصوات الارتطام , تلقائياً أشعر بالألم في أصابعي , أصابع يدي اليمنى تحديداً . القصة حدثت قبل هذا بست سنين يوم أن تهشم وجهي ويدي وضعفت ذاكرتي وصرت أفكر بالموت كثيراً . سأحكي لكم ما قبل هذا العام 2006 وما بعده . ما قبل هذا التاريخ ببساطة كنت عبثيا لم يشغل الموت بالي ولا لحظة . ربما لأن أبي أحبني كثيراً وتركني أعيش كما أريد , أقصد أنه حررني من الضغوط ولم يحبسني في البيت لأفكر بالموت . كان فعلاً آخر شيء أفكر فيه الموت . كان الناس يموتون بكثرة في ذاك الوقت ولم يشغل بالي , أناس أحبهم كثيراً . رباني أبي كما يليق به وبي . بعد هذا التاريخ سقطت و تغير كل شيء , كتبت في ما مضى هنا عن سقوطي هذا وتهشم وجهي ويدي اليمنى تحديداً . سأعيد سرد الذي حدث .. كان يوماً بارداً في نوفمبر , سألني صديقي  أن أرافقه إلى قصر السينما لنشاهد فيلماً ونناقشه هناك , فيلم Beyond the Sea لكيفن سبايسي , الغريب أن الفيلم عُرض في 2004 ونحن في 2006 , لماذا نناقش فيلماً بعد سنتين من عرضه ؟ لكنها مقادير الأمور , على أية حال في طريقنا إلى قصر السينما كنت أشعر بسعادة غريبة , كنت أركض أركض أركض , حتى مررنا بجانب السفارة الايطالية , هناك بدأت أقفز على الحواجز , أقفز من الجنب تعرفون ؟ لما وصلت إلى الحاجز الأخير علقت رجلي وسقطت على جنبي الأيمن . على جسدي كاملاُ من جهة اليمين , على وجهي من جهة اليمين , على كتفي الأيمن ويدي اليمنى وأضلعي اليمنى ورجلي اليمنى , تعرفون حينما يسقط تمثال من حجر ؟ يأتي سقوطه مدوياً يسمعه كل المخلوقات , يسقط بأكمله على جهة واحدة , سقطت كأني تمثال , تهشمت بمعنى أصح . بقيت على حالي لم أتحرك , حتى تجمع الناس حولي ووصل إليّ صاحبي ميتاً من الضحك . لا ألومه , في بلادنا هل تشاهدون رجلاً يفرح بلا سبب ويقفز من فوق الحواجز ثم يسقط ؟ لا يتكرر هذا المشهد كثيراً . قام صاحبي برفعي ولا داعي لأذكركم أنه كان يضحك . حقيقةً دعكم من تفسيري السابق السخيف , ما المضحك في سقوط أحد ؟ ما المضحك أن يمتلئ وجهه بالدم ويتمزق قميصه ؟ ما المضحك أن تتغير حياة إنسان في لحظة سقوط ؟ على أية حال أكملنا طريقنا مشياً , كنت أشعر بآلام فظيعة , كنت أشعر بأشياء لا أدري كيف أصفها , لكن لم أفكر لحظتها كما كنتُ أفكر سابقاً , كأن روحاً أخرى غريبة استوطنتني . مررنا بطريقنا على صيدلية يعمل بها مسيحيون , عاملوني باحتقار لا أدري لما . حتى أني أشعر أنهم السبب ببقاء أصابع يدي اليمنى مشوهة حتى هذه اللحظة , عموماً سأترك تعليل الأسباب إلى سنين مقبلة حينما أفكر بأسباب معاملتهم لي بهذه الطريقة . أذكر أنهم كانوا يشاهدون التلفزيون , هل التلفزيون أهم من شخص ينزف ؟ ربما كان وجه صديقي غير مريح بالنسبة لهم , أو ربما كانوا يعيشون هم أيضاً لحظة سيئة وصبوا غضبهم عليّ بشكل غير مباشر . على العموم لم أستفد منهم شيئاً , كان صديقي يضحك , يضحك بصخب لا ينتهي , على " تنطيطي " كما يقول , ويضحك على النكت التي بدأ يتذكرها عن أشخاص كانوا " ينطنطون " وسقطوا , على العموم كنت أضحك معه , ما الذي يزعل في رجل سقط وتهشم ؟ لا شيء .. هي ق ق م , قصة قصيرة مضحكة لا أكثر . لم يتوقف عند تذكر النكات , بل حتى لحظة مرورنا بسوبرماركت اسمه أولاد منصور سقط مغشياً عليه من الضحك ويقول " كمان متقوز من ورانا ومخلّف ؟ " وأنا اضحك أيضاً , لكن قلبي كان مهشماً . مشينا طويلاً طويلاً حتى وصلنا إلى القصر المتهالك , تابعنا الفيلم مع نقاد سخفاء لا يتوقفون عن اشعال سجائرهم , تابعت معهم الفيلم بقميص ممزق ووجه ينزف دماً ولم يكلف أحدٌ نفسه أن يسألني كيف حصل ذلك معك ؟ هل سقطت ؟ هل تغيرت حياتك بعد أن سقطت ؟على أية حال آلامي لم تسمح لي أن أكمل المشاهدة معهم , استأذنت من صديقي أريد العودة , أكملت باقي الطريق لوحدي حتى رجعت إلى البيت , هناك أخذت أبكي . لا تفكروا بأني ضعيف , أنا لست ضعيفاً , يوماً ما خرجت تحت المطر أشتري العشاء , وركبت مع سائق تاكسي مجنون يقود بسرعة تحت المطر ولم يستطع أن يسيطر على سيارته – كما هو متوقع – إلى أن أرتطمنا بالرصيف ومن ثم انقلبت السيارة رأساً على عقب , أخرجني الناس منها وأخرجت عشائي و أكملت طريقي إلى البيت مشياً وأكلت وكأني لم أخرج من حادث قبل خمس دقائق . لست ضعيفاً , لكن ذاك كان أمراً مختلفاً , تغيرت حياتي بعدها , بدأت أكره الناس , قطعت كل علاقاتي بعدها بمن أعرفهم , مررت بأيامٍ عصيبة , أفكر دائماً هل يستحق ذلك فعلاً أن يغير حياتي ؟ لكن سير الأمور لا يأتي كما نشتهي , نعتقد أن أحداثاً مؤثرة تستحق أن تغير حياتنا , لكنها لا تغيرها , وأحداثاً أخرى تجزم أن لا قيمة لها – عدا أن تغير فيك شيئاً – تكون هي نقطة الفصل في حياتك . أنا حتى هذه اللحظة لا أجد تفسيراً للذي حدث , سوى أنه حينما أسمع صوت ارتطام , أو حتى أشعر بالتعب لأي سبب – كأن لا أنام مثلاً – أشعر فيه بأصابعي , أصابع يدي اليمنى تحديداً , و أتذكر يوم سقطت .

12 تعليق to “لا تقرأو هذا الموضوع .”

  1. يقول السيدة راء:

    مرحبا … خالفت العنوان وارتكبت جرم القراءة ولأصدقك القول أربكني النص كثيرا ظننته ق ق م <= قصة قصيرة متخيلة لكن الدموع التي انحدرت على وجنتي أكدت لي العكس ، أعدت قراءة النص ولم يزل الارتباك لكني .. أحب القراءة لك
    (قد يواجهك إعصار ولن يؤثر فيك كما تفعل نسمة هواء خفيفة) هذا كل ما استطعت أن أفكر فيه أمام جمال نصك وعمقه

  2. يقول سيمفونية:

    عندما وصلت لمقطع السقوط وضعت يدي على خدي وصرخت ouch
    لا أعلم لماذا تذكرت أبي حينما يخرج ويعود لنا بأيدي مقطبة وأضلاع نازفه، يقبلنا ويقول: ترى جاي تعبان صبوا لي قهوة !!

    لا تبحث عن التفسير لما حدث ولا تشغلك نفسك به كل مافي الأمر أنها مغامرة من مغامرات العمر، أو لفتة من القدر لك لكي تفكر. صفعة للضمير النائم

    الحمدلله على السلامه بعد ٦ سنين من الحادث ههه.

  3. يقول peacock:

    وصفك في البداية ذكرني بحادثة أصابتني بأمر مشابه لما وصفت، المضحك في الأمر أنها لم تحدث لي وإنما لأحد أفراد عائلتي. أًصبت بعدها بهوسٍ وحرص شديدين لما يُقارب العام.
    هذا ما يحدث عندما يمسسنا الموت، ولو قليلاً!

    وآخر الطيحات ان شاء الله.

  4. يقول نور:

    يسعد صباحك

    قرأت الموضوع 🙂 وتذكرت بعض المواقف والحوادث بالتحديد .. انا من الاشخاص الذين يربكهم سقوط الاشياء وسقوط الاشخاص واشعر وبدون مبالغة بالكهربة تسري في جسدي .. كذلك اذا سقطت ارتبك واتمنى ان لا يراني احد ..
    اعتقد ان تهيأة النفس لمثل هذه المواقف يقلل من اثرها الجسدي والنفسي .. يقال بأني تفادي الوقوع ومقاومته يزيد من اضراره قد يخلف كسور ومضاعفات .. كذلك العامل النفسي الارتباك الذي يولده الارتطام يمكن تفاديه وماذا يعني ان نسقط او ان نتألم

  5. يقول Lament:

    السيد راء

    صباحك جميل , تذكرت بعد ردك مشهد من فيلم Amazing Grace حينما يقول العجوز لوليام : ” يقوم الله أحياناً بعمله مع رذاذ مطر , وليس صواعق , قطرة قطرة قطرة ” .
    لا عليك , كان هذا منذ زمن , و انتهى .. أحتاج اليوم لكتابة أمر مفرح لأخركم من جو الكآبة الموجود هههه .

    شكراً لك .

    سيمفونية

    أهلاً فيك , وسلامة الوالد والله : )
    زين هو يطلب قهوة , وأنا أكمل العشاء عادي هههه
    الله يحفظه لكم يارب ..

    شكراً لك .

    peacock

    أنا أتذكر لما طحت بقيت على حالي لمدة دقيقة , أسمع أصوات الارتداد لا غير , أذكر أن العالم كان صااااامت ولم يكن فيه سواي .
    يمكن السبب كنت أشعر بالفرح بلا سبب , ثم صدمة بعد هذا الفرح , كانت نتيجة عكسية عنيفة P:

    شكراً لك .

    نور

    أهلاً فيك , صباح النور .
    شكراً على هذه المعلومات , فعلاً ذات قيمة : )
    تحياتي لك .

  6. يقول بي*:

    قرأته و قرأت الـ bitterness في التفاصيل 🙁 و تصرف من كان معك غير مفهوم لي أيضاً و مثلك أميل لأن أترك تفسير أمور كهذه للأيام أو أنساها. أتفهّم عمق التجربة و ما مررت به بعدها .. لكن لو سألتُك هل تعود لما كنت عليه قبل السقوط فهل ستعود؟ أتمنى أن يكون غيّر فيكَ شيئاً ككل سقوط مفاجئ..و سلامتك إن شاء الله..

  7. يقول رحاب:

    حدث لي أن سقطت في يوم ممطر قبل 8 سنوات تقريبا ..تراهنت انا وبنت خالي على الجري في الحوش تحت المطر ..بالقرب من خط النهاية كان السقوط حليفي سقطت على وجهي ..دقيقة أو دقيقتين لم أتحرك هل مت ؟ لا أعلم أن كنت فقط اخشى الحركة ..!
    …ركض الجميع يضحك ..لولا بقعة الدم تحت فكي الأسفل كان سيبدوا مشهد سقوطي مسرحيا …استمر الدم ولم يتوقف واكتشفوا فعلا أنني أصبت واحتجت لأربع غرز ..من الصعب أن تعيد القصة للجميع نعم كنت أجري تحت المطر وسقطت … مكان الإصابة الغريب ..وعدم وجود مسمار أو شئ ما يحدث هذا النزيف .. أثر الغرز للآن يذكرني أنني سقطت في يوم ممطر

    أفهمك يامنصور ..وأحاول أن استوعب طريقة صديقك في التخفيف عليك ..لكن بعض الطرق تبدوا غير منطقية مثل سقوطنا أحيانا غير المنطقي …

    سنكون بخير رغم الندوب الصغيرة 🙂

  8. يقول Lament:

    بي ,

    أهلاً فيك , هو أكيد غيّر فيني أشياء كثير , كما قلت . أعتقد أني صرت أكثر هدوءاً ولا أركض في الشوارع هههه .
    الله يسلمك يارب , شكراً لك .

    رحاب

    أهلاً يا رحاب , قصتك مؤثرة كثير .. أوقات الناس اللي معانا ما يقدروا يطلعوا من الجو اللي كانوا فيه , لو كان جو ضحك وصارت مصيبة يكملوا على إنها تتمة للكوميديا .. جدياً ألاحظ هذا الأمر كثير . لا أحد يفكر إنه لكل مقامٍ مقال .
    والحمدلله على سلامتك من بعد هالعمر : )

  9. سلامتك يا لامينت وسلامة يمينك .. اسوأ ما في الوقوع بعد أن تنمو قامتنا ويزيد حجمنا في هذا الكون أن المسافة تكبر والجاذبية أكبر، فلا يعود الارتطام سهلاً نجري بعده، بل هو حدث عظيم في جسم تعلم وامتهن الاتزان واحترفه مع السنين، واسوأ ما به هو رائحة الدم الذي تشمه في أنفك قبل أن يسيل خارجك، هذا موجع ..
    تُحدث الارتطامات كهذه الصمم المؤقت وانقباض الرئة لذلك نشعر بمرور الوقت ونحن مسجيين على الأرض كأننا هنا بلا وجع وذاكرة شبه مثقوبة .. أوجعني الوصف الذي استحضر الكثير من صور ذهنية تمر كالشريط السنمائي أمام عيني، وأما عن الباقي .. والتغيير .. فابتسم .. وأتمتم من كان يظن .. وتمر في حنجرتي المواضيع الصغيرة والمفاجئآت التي من المفترض أن لا تعني شيئآً ولكنها هي من غير الكثير منا، ومن مسير حيواتنا .. شكراً لك في كل نص تشاركه معنا بكل عمق تجربة وإخلاص نشعر به أنه عُني لنا. مشاركتك تثري هذه المغامرة ..

  10. يقول Lament:

    الله يسلمك يافاطمة ..
    أنتي اللي شكراً لك , في كل تعليق لك أكتشف معاني أهمّ وأشياء تفوتني أو حتى ما أقدر أتكلم عنها زي ما تعبري عنها أنتي ..
    شكراً بجد : )

  11. يقول فاطمة:

    هذه التدوينة تجعلني صامتة بشكلٍ مخيف ..
    لدرجة أنّي لا أملكُ رداً !
    شكراً ل أنا كفاطمة التي جعلتك تكتب هذه التدوينة

  12. يقول Lament:

    أهلاً فيك ..

    أكيد تستاهل الشكر , وشكراً لك إنتي بعد : )

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture. Click on the picture to hear an audio file of the word.
Anti-spam image