" وضع مؤلف لا يعني مجرد تجميع المعلومات , أو تقديم المعرفة في ناحية معينة من نواحي الفكر البشري , إنه أولاً تقديم لوحدة تنبع من صميم النفس , وتجد في تلك الفرصة طريقها للتعبير . لا تعني الصورة , ولا تؤثر المصادفة , ولا تهم اللغة , كل هذه ظروف وملابسات , إنما الأصل هو أن المؤَلّف قطعة من الذات , تنتقل من ذلك الداخل المضطرب , رغم الهدوء الخارجي الظاهري , لتتبلور في صورة حياة جديدة مستقلة عن شخص مؤلفها . هذه الحقيقة يجب أن تكون حاضرة في عقيدة أي مؤلف حتى ولو كان جامعياً , فالمعرفة الجامعية ليست إلا مرحلة أكثر دقة وأشد صلابة من مراحل البحث عن الحقيقة , وبالتالي في الكشف عن الكون الذي يحيط بنا ويتفاعل معنا .
التقديم لعلم السياسة بهذا المعنى كان أمنيتي منذ حوالي سبعة أعوام . والواقع أن أول احتكاك لي بعلم السياسة تحتم عندما قدر لي أن أتعرض لدراسة العلاقة بين الفرد والدولة في الحضارة الرومانية وخرجت من تلك الخبرة الأولى وما لابسها من ظروف شخصية وأنا أشد إيماناً بجهلي , سوف أذكر دائماً تلك اللحظة الحاسمة عندما عدت من الأسكندرية بعد أن قررت هجرة بلادي , وأنا أواجه أستاذتي التي كانت أشد حزناً مني لقراري , وهي تسألني – وماذا تريد أن تفعل الآن ؟ , فأجيبها : سوف أبدأ بأن أنسى كل ما تعلمته لأتعلم كل ما لم أتعلمه " . 

حامد ربيع – مقدمة علم السياسة

Comments are closed.